روايات وقصص

حكايات بسمه 2

نظرتُ إلى خالي محمد، ثم وجهتُ كلامي للحاضرين جميعاً بصوت واثق ومستقر: “يا جماعة، إحنا ما طلبناش غير الشرف والراحة في بيتنا. اللي حصل السنتين اللي فاتوا من استنزاف مادي ونفسي، وبعدها قضايا وتشويه سمعة، وأخيراً اقتحام بالبلطجية في نص الليل، حاجات ما ينسكتش عنها ولا ينفع تتعدى بكلمتين معلش.”

تنحنح الخال وقال بصوت حاسم: “قولي شروطك يا هدى، وإحنا الكبار وهنا الضامنين للتنفيذ.”

مقالات ذات صلة

رفعتُ الورقة وقرأتُ شروطي بوضوح:

“أولاً: التنازل المباشر والرسمي في الشهر العقاري والمحكمة عن كل القضايا والدعاوى الكيدية المرفوعة ضد محمد، مع توقيع إقرار رسمي بعدم التعرض لبيتنا أو حساباتنا البنكية أو شقتنا بأي شكل من الأشكال مستقبلًا.”

“ثانياً: بالنسبة للمحامي ابن أخيها والبلطجية اللي جابتهم في نص الليل، يتم توقيع اعتذار كتابي وتعهد بعدم الاقتراب من العمارة، والتنازل عن محضر البلتجة مش هيتم غير لما يتدفع تمن الأضرار والتلفيات اللي حصلت في مدخل العمارة وقفل المخزن.”

“ثالثاً.. وده الأهم بالنسبة لي: الاستقلالية التامة. بيتنا مقفول علينا. ما فيش حاجة اسمها عزومات تتفرض علينا، ولا ناس تتدخل بيتي من غير إذن سابق ورضا مني ومن محمد. العلاقات العائلية والأرحام على رأسنا، لكن حدود بيتي خط أحمر لا يمكن تخطيه.”

بمجرد أن أنهيتُ كلماتي، قامت حماتي واشتعل وجهها غضباً، وصصرخت بصوت مرتفع: “شوفوا قلة أدبها! جاية تتشرط عليا في وسط أهلي؟ مفكرة نفسك مين عشان تحطي شروط على أم جوزك؟ والله ما متنازلة عن قضية، والبيت ده بتاعي وهخربها على دماغكم!”

لكن رد الفعل هذه المرة لم يكن في صالحها أبداً.

وقف الخال الأكبر وضرب بعصاه الأرض بقوة جعلت الجميع يفزعون، وقال بصوت هز جدران المجلس: “بس يا أم محمد! كفاية عيب وخزي! البنت طالبة حقها وحماية بيتها بعد ما أنتِ جربتِ كل أنواع الافتراء عليها! الورق اللي معاها يودي ابن أخيك السجن ويشطب مستقبله، ويخليكِ أنتِ نفسك تدفعي تعويضات! لو مش هتعقلي وتوقعي على الكلام ده وتلمي الدور، إحنا أهلك وهنرفع إيدنا عنك ونسيب القانون يأخد مجراه معاكي!”

ارتبك ابن أخيها المحامي وسحب عباءتها بسرعة، وهامساً في أذنها بصوت خائف: “يا عمتي اسمعي الكلام! المحضر اللي هي عملته بلطجة وتلبس وتصوير فيديو، وده لو مشي في النيابة أنا هتشطب من النقابة وممكن أتحبس مع اللي كانوا معايا! الموضوع كدة هيخرب علينا كلنا!”

نظرت حماتي حولها، فوجدت وجوه أخوانها وأقاربها جافة وخالية من أي تعاطف. لقنتها الحياة درساً قاسياً بأن العناد حين يتجاوز حد الحق، ينقلب صاحبه إلى منبوذ حتى بين أقرب الناس إليه.

جلست على الكرسي وهي تتنفس بصعوبة، ودموع الغضب والكسرة تطفر من عينيها. أخذت القلم بيد ترتجف، ووقعت على التنازلات والأوراق التي أعدها الخال والمحامي، بينما كان ابن أخيها يوقع التعهدات ودفع قيمة التلفيات فوراً لينهي المحضر قبل أن يصل للنيابة.

خرجنا من بيت الخال في تلك الليلة، وكانت السماء صافية والهدوء يعم الشارع. لأول مرة منذ سنتين، شعرتُ أن صَدري يتنفس هواءً نقيًا خاليًا من الهموم والترقب.

محمد مسك يدي وأنا أسير بجانبه، وقال بصوت خفيض مليء بالامتنان والندم: “أنا آسف يا هدى على كل لحظة شكيت فيها أو حسيت إنك بتكبري المواضيع. أنتِ شيلتِ البيت ده وحميتيه في وقت أنا كنت فيه مش شايف الحقيقة.”

ابتسمتُ وقلت له: “المهم إننا نتعلم يا محمد، وإن البيت يفضل مقفول على أصحابه بالمودة والكرامـة.”

مرت ستة أشهر بعد تلك الليلة.

عادت حياتنا إلى مجراها الطبيعي. الحسابات البنكية فُكت، والميزانية انتظمت، وأعدنا ادخار أموالنا لمستقبل ابنتنا. حماتي لزمت شقتها، وصارت تعاملنا بحذر شديد وحدود صارمة دون أن تجرؤ على افتعال أي مشكلة أو فرض أي عزومة.

لكن، وفي الوقت الذي ظننا فيه أن كل شيء قد انتهى تماماً وأن المياه عادت إلى مجاريها الأبدية…

حدث ما لم يكن في الحسبان.

في صباح يوم جمعة هادئ، وأثناء استعدادنا للخروج في نزهة عائلية، رن جرس الباب بقوة واستمرار.

فتح محمد الباب، ليجد أمامه سيدة غريبة تحمل حقائب سفر ضخمة، وإلى جوارها طفلان صغيران. نظرت السيدة إلى محمد بدموع ورجاء، وقالت بصوت متقطع:

“أنا أختك من أباك اللي عمرك ما شفتها… وأمك هي اللي بعتتني ليك وقالت لي بيتك هو المكان الوحيد اللي هيأويني أنا وعيالي بعد ما اترميت في الشارع!”

توقف محمد في مكانه كأن صاعقة أصابته، يتأمل وجه السيدة الغريبة والطفلين المنهكين بجوار الحقائب الكبيرة. كانت تفاصيل ملامحها تحمل تشابهاً لا يخفى مع والده المتوفى، تشابهاً جعل أي شك في كلامها يتلاشى قبل أن يبدأ.

وقفتُ خلفه أرقب الموقف بذهول. “أختك؟” زمزم محمد بصوت خفيض وذهول تام، “أنا طول عمري عارف إن أبايا ما اتجوزش غير أمي!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى