
فتح أحمد باب الغرفة ببطء، وخطوت خلفه بثبات. كانت الحاجة ثريا ترقد على السرير الأبيض، محاطة بالأجهزة وخراطيم المحاليل، وبجوارها يجلس عم أحمد، الحاج عبد العظيم. بدا على وجهها الإرهاق الحقيقي، لكن النظرة الشاخصة في عينيها لم تفقد كبرياءها القديم بالكامل.
أول ما وقعت عينها على أحمد، تهلل وجهها بالدموع ورفعت يدها الضعيفة: “تعال يا أحمد.. تعال يا بني، شفت اللي جرالي بعد ما سبتني؟ شفت أمك اللي ربتك وهي بتتطوح في المستشفيات؟”
-
حكايات منى السيد 2منذ 9 ساعات
-
حكايات منى السيد1منذ 9 ساعات
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ 10 ساعات
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ 10 ساعات
اقترب أحمد منها، قبل يدها ورأسها بحب وابن بار، وقال بنبرة دافئة لكنها متزنة: “الف سلامة عليكِ يا أمي، قدر ولطف، أهم حاجة إنك بخير دلوقتي.”
في تلك اللحظة، رفعت الحاجة ثريا عينها لترى من يقف عند عتبة الباب. كنت أقف بشموخ، أرتدي معطفي الأسود، ووجهي يحمل تعبيرًا جادًا خالياً من أي انكسار أو تشفٍ. انقبضت ملامح حماتي فجأة، وتحولت نبرة الاستعطاف في صوتها إلى حدة سريعة: “ودي إيه اللي جابها هنا؟ جاية تتفرج عليا وأنا في ضعفي؟ جاية تشمت فيا بعد ما كسرتِ قلبي وأخدتِ ابني؟”
تحرك الحاج عبد العظيم في جلسة وكأنه يترقب كيف سيرد أحمد. أما مروة، التي تسللت خلفنا ووقفت عند الباب، فكانت تنتظر أن يرتعش موقف أحمد أمام دموع أمه.
لكن أحمد لم يتردد. التفت ليراني، ثم نظر لأمه وقال بصوت هادئ ورصين: “ندى جاية تطمن عليكِ معايا يا أمي. ندى مراتي، واللي يمسها أو يزعلها في حضورها يزعلني أنا شخصياً. هي أصرت تيجي عشان أصول التربية اللي تربيتها، مش عشان تشمت في حد.”
ساد الصمت الغرفة كالرعد. تنفس الحاج عبد العظيم بعمق، وهز رأسه بإعجاب مكتوم لم أخطئه. أما الحاجة ثريا، فقد أدارت وجهها للناحية الأخرى بغضب مكتوم، لكنها لم تستطع أن تنطق بحرف واحد إضافي. لقد أدركت في هذه اللحظة بالذات أن السلاح القديم—سلاح البكاء والعاطفة والمظلومية—لم يعد يعمل على ابنها، وأن قواعد اللعبة قد تغيرت إلى الأبد.
تقدمت بخطوات هادئة نحو السرير، ووضعت علبة الدواء الجديدة التي اشتريناها من صيدلية المستشفى على الطاولة المجاورة، وقلت بنبرة واضحة ومحترمة: “ألف سلامة عليكِ يا طنط. ربنا يديكِ الصحة ويشيفك.”
لم ترد، لكنها لم تصرخ أيضاً. كان هذا أكبر تنازل يمكن أن تقدمه الحاجة ثريا في تاريخها؛ السكوت.






