روايات وقصص

حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا3

الجزء الخامس (قبل الأخير) الحاجة نوال على أسفلت الشارع كقطعة قماش بالية. انبثق  من بين شفتيها المخضبتين بآثار الشاي القاسي، وتعالت  دينا التي ملأت أركان الشارع المزدحم بمدينة نصر:

ـ الحقوني! ماما ! كريم اعمل حاجة يا فاشل يا خايب!

وقف كريم كالتمثال، تتضارب في رأسه الأصوات: صرخات أخته، وهمهمات الجيران المتجمعين في البلكونات وعلى أرصفة الشارع يشاهدون السقوط المدوّي لأسرة كانت حتى الأمس القريب تتعالى على الجميع، وصوت ضحكات أمه التي كانت ترن في أذنه وهي تبدد تعب ياسمين وتستهزئ بأهلها.

بصعوبة بالغة، حملهما أحد سائقي التاكسي بعد أن ألقى أمتعتهما الشبه مبعثرة في الحقيبة الخلفية، واتجهوا فورًا إلى أقرب مستشفى حكومي. هناك، بين أروقة المستشفى الباردة ورائحة المطهرات النفاثة، كان كريم يجلس على كرسي بلاستيكي مكسور، وحيدًا، بلا جنيه واحد في جيبه.

خرج الطبيب من ، ينفض يديه بنفاذ صبر:

ـ حالة جلطة حادة في المخ نتيجة ارتفاع مفاجئ وشديد في ضغط الدم، بالإضافة إلى نزيف في الجهاز الهضمي. المحاليل والأدوية دي لازم تيجوا بيها فورًا من الصيدلية برة، وعايزين تحويل لمستشفى متخصص فيها رعاية مركزة لأننا معندناش مكان فاضي!

التفت كريم لأخته دينا وقال بصوت مبحوح:

ـ هاتي الفيزا بتاعتك يا دينا… أو أي فلوس معاكي في الشنطة بسرعة عشان نجيب الأدوية ونشوف مكان رعاية.

ردت دينا وهي تصرخ بحقد وهي تمسك حقيبتها بقوة:

ـ فلوس إيه وفين؟! أنا معاييش غير ألفين جنيه دول بتوع مصروفي! وعليّ أقساط جمعية! روح اتصرف من صحابك ولا من الشغل! إنت السبب في كل اللي حصلنا ده! لو كنت راجل ووقفت للهانم دي من الأول ما كانش ده بقى حالنا!

بصرخة يأس تدوي في الممر، ضرب كريم رأسه بالحيطان:

ـ أصحاب مين وشغل إيه يا غبية؟! أنا اترفضت من الشغل ! وحساباتي البنكية كلها موقوفة بأمر النيابة! أنا مفلس! فاهمة يعني إيه مفلس؟! أمك  وأنتِ بتفكري في أقساطك؟!

في تلك اللحظة، رن هاتف كريم. كان المتصل هو الأستاذ مجدي، محامي ياسمين.

رد كريم بلهفة مجنونة، وكأنه يتعلق بقشة في محيط:

ـ أستاذ مجدي! أرجوك! كلم ياسمين! أمي بتموت في المستشفى ومحتاجة رعاية وأنا الحسابات موقوفة ومش عارف أدفع جنيه واحد! خلوا النيابة تفك التجميد عن حسابي ولو لثلاثة أيام بس! أنا مستعد أوقع على أي ورقة تنازل أو !

جاءه صوت المحامي هادئًا، حاسمًا، وخاليًا من أي نبرة عاطفية:

ـ أستاذ كريم، موكلتي الأستاذة ياسمين أبلغتني رسميًا بإنها غير معنية بأي ظروف شخصية تخصك أو تخص والدتك. التجميد المالي تم بناءً على عريضة اتهام بالاختلاس وتبديد أموال مشتركة، والنيابة هي الجهة الوحيدة المختصة. لكن أنا متصل أبلغك بميعاد الجلسة الأولى ودعوى استرداد الشيكات والمؤخر، بالإضافة إلى إن القوة التنفيذية تسلمت الشقة بالكامل اليوم، وأي محاولة منك للتقرب من العمارة ستواجه ببلاغ عدم تعرض فورًا.

أغلق المحامي الخط.

انهمرت الدموع من عيني كريم لأول مرة، دموع العجز والندم القاتل. تذكر كيف كانت ياسمين تقف في المطبخ لسنوات، تعد الطعام، وتنظم البيت، وتحتمل سخرية أمه وأخته بابتسامة صابرة، وكيف كان هو  من مسؤولياته ويضحك معهما على حزنها. تذكر كيف تركها تأكل طبقًا فارغًا بينما أمه وأخته يأكلان بكل جشع وطمع.

على الجانب الآخر…

كانت ياسمين تقف في صالة  بمدينة نصر.  التي استعادتها بقوة القانون والعدل.

كانت والدتها تنظف السفرة، بينما يجلس والدها المهندس صلاح يشرب القهوة ويراجع بعض أوراق العمل.

قالت الأم بحنان وهي تنظر لابنتها:

ـ ياسمين يا بنتي… أخت كريم اتصلت بيا من شوية، بتعيط وتقول إن نوال في العناية المركزة وإن كريم معندوش يدفع مصاريف المستشفى… هل إنتِ راضية عن اللي بيحصلهم ده؟

التفتت ياسمين لوالدتها، ووجها يطفح بثبات شديد لا يخالطه أي غل، بل حسم بالغة:

ـ يا ماما… أنا ما ظلمتش حد. هما اللي ظلموا نفسهم. نوال ما طبّتش ساكتة عشان أنا أذيتها، نوال وقعت لما اكتشفت إن السيطرة الباطلة اللي كانت ممارساها عليا وعلى كريم انتهت، وإن القرشين اللي كانت عايزة تسرقهم مني أتحرمت منهم. أما كريم، فهو بيلبس تمن ضعفه . اللي يبيع مراته وأهلها عشان يعجب أمه، يتداس تحت رجلين الظروف لما الأيام تدور.

قال الأب بنبرة فخر وهو يضع الفنجان:

ـ كلامك صح يا ياسمين. الرحمة مع اللي ما يستاهلوش تعتبر ضعف. وكريم ونوال ما سابوش باب للرحمة لما رموا كرامتنا في الأرض واستهزأوا بينا في بيتك.

ابتسمت ياسمين وقالت بصوت هادئ:

ـ والموضوع لسه ما انتهىش يا بابا… بكرة المحامي هيقدم البلاغ الثاني الخاص بالتحويلات المالية المباشرة اللي كريم كان بياخدها من حسابي ويحولها لحساب أخته دينا عشان تجهز نفسها للجواز!

مرت ثلاثة أيام كأنها دهور على كريم.

تم نقل الحاجة نوال إلى قصر العيني في قسم الطوارئ المجاني بعد أن عجز كريم عن تدبير مصاريف المستشفيات الخاصة. كانت ترقد هناك، نصف جسدها مصاب بشلل نصفي، وفمها معوج لا تستطيع النطق منه إلا بهمهمات غير مفهومة، وعيناها تدوران في السقف برعب وعجز.

أما دينا، فبمجرد أن شعرت أن السفينة تغرق تمامًا، جمعت باقي أمتعتها وأخذت ما تبقى معها من مال، وهربت لتسكن عند إحدى صديقاتها، تاركة أخاها كريم يتحمل وحده فواتير المستشفى، ومصاريف الدواء، والديون المتراكمة.

في صباح اليوم الرابع، كان كريم يجلس على رصيف المستشفى، ملابسه متسخة، ولحيته طالت، وعيناه غائرتان.

وفجأة… اقترب منه رجلان يرتديان ملابس مدنية، برفقة أمين شرطة.

وقف أمين الشرطة أمامه وقال بصوت جاف:

ـ أنت المتهم كريم فريد عبد المجيد؟

قام كريم بآلية كالميت:

ـ أيوة أنا… في إيه؟

أخرج الضابط كلبشات حديدية ورقية رسمية وقال:

ـ صادر ضدك أمر ضبط وإحضار من نيابة الأموال العامة بناءً على البلاغ المقدم من المواطنة ياسمين صلاح، بتهمة خيانة الأمانة واستيلاء على مبالغ مالية بدون وجه حق، بالإضافة لحكم غيابي الصادر اليوم بصلح مشروط ودفع المؤخر والنفقة فورًا أو الحبس ثلاث سنوات.

نظر كريم للكلبشات وهي تُغلق على معصميه. لم يبكِ، ولم يصرخ، ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه.

في نفس اللحظة التي قيدت فيها يداه، خرجت إحدى الممرضات تهرول من باب  وهي تصرح:

ـ يا أستاذ كريم! يا أستاذ كريم! الحجة والدتك حالتها تدهورت جدًا ودخلت في سكتة دماغية ثانية والتنفس وقف!

نظر كريم نحو باب المستشفى، ثم نظر إلى أمين الشرطة الذي يسحبه نحو سيارة البوليس.

كان محاصرًا تمامًا… أمه  بين الحياة ، وأخته تخلت عنه وهربت، وشغله وضاع،  التي خطط  أصبحت ملكًا لياسمين بالكامل، وهو الآن يساق إلى  مكبل .

وقبل أن يركب سيارة الشرطة، رأى سيارة فخمة تقف على جانب الطريق المقابل.

نزلت منها ياسمين، بكامل أناقتها وحضورها القوي. وقفت على مسافة مترات قليلة، ونظرت إليه وهو يُقاد إلى داخل التخشيبة.

التقطت عيناه عينيها…

لم تر قطرة تشفي في عينيها، بل رأت شيئًا أشد قسوة: رأت تجاهلاً تامًا، وكأنه مجرد شخص غريب لا وجود له في هذا العالم.

انطلقت سيارة الشرطة به، تاركة إياه خلف القضبان، بينما كانت ياسمين تستعد للدخول في الفصل الأخير والنهائي لتصفية كل الحسابات، واسترداد حياتها وكرامتها التي أهيدت، وبداية حياة جديدة تمامًا لا مكان فيها للضعفاء أو الخونة.

تفتكروا إيه المفاجأة الأخيرة والغير متوقعة اللي تحضرها ياسمين لكريم وأخته دينا في “الجزء السادس والأخير”؟ وهل سينتهي المطاف بكريم في  لمشوار طويل، أم ستحصل دينا على نصيبها من الحساب؟

الجزء السادس والأخير (النهاية والحكمة)

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى