روايات وقصص

حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا3

مرت ستة أشهر على ذلك اليوم العصيب الذي انقلبت فيه الموازين  فيه الأقنعة.

في قسم الشرطة، ثم في ساحات المحكمة، جرت الأمور بعدالة ناجزة لم تترك مجالاً للتسويف. قضى كريم أسرار ليلته الأولى خلف القضبان مكسور الجناح، مجردًا من كل ما كان يظنه قوة ورجولة. وبعد تحقيقات مكثفة في نيابة الأموال العامة ومراجعة المستندات والتحويلات المالية التي قدمتها ياسمين بالدليل القاطع، أُدين كريمالأمانة وتبديد أموال زوجته المشتركة، وصدر بحقه حكم بالسجن المشدد لمدة سنتين مع الشغل، إلى جانب إلزامه بدفع كامل قيمة المؤخر ونفقة المتعة والغدة رغماً عنه.

مقالات ذات صلة

أما الحاجة نوال، فقد نجت من السكتة الدماغية الثانية بأعجوبة، لكنها خرجت من المستشفى بجسد مشلول تمامًا؛ فقدت القدرة على الحركة وعلى الكلام. تلك اللسان التي طالما نفثت  وأهانت ياسمين وأهلها، أصبحت الآن عاجزة عن نطق كلمة واحدة، مقيدة في الفراش، تنظر إلى السقف بدموع العجز والندم التي لا تنفع.

ولم تكن أخته دينا بأفضل حال؛ فبعد أن هربت بمالها القليل وتخلت عن أخيها وأمها في أزمتهم، سرعان ما اكتشف خطيبها حقيقتها وحقيقة ما فعلته أسرته مع ياسمين وما آلت إليه أمورهم من فضائح وقضايا. ففسخ الخطوبة فورًا واسترد كل ما قدمه لها، وتركتها صديقاتها واحدة تلو الأخرى. ووجدت دينا نفسها فجأة مسؤولة بمفردها عن رعاية أمها المقعدة والمريضة في شقة استوديو صغيرة بالإيجار في أطراف المدينة، تعمل في دوامين شاقين لتبكير علاج أمها وتدبير إيجار الشقة، تذوق مرارة القهر والتعب في كل لحظة، بعدما كانت تتطاول وتستعلي على ياسمين وتذوق طعامها بسخرية.

في صباح يوم ربيعي مشرق بمدينة نصر…

كانت ياسمين تقف أمام مرآتها في شقتها التي أعادت تأثيثها بالكامل بألوان مبهجة وطاقة جديدة تشبه روحها. فتحت النوافذ لتدخل أشعة الشمس الدافئة، وتملأ رائحة الزهور زوايا المكان.

اليوم، تسلمت ياسمين رسمياً شهادة طلاقها البائن من كريم، بحكم قضائي نهائي أرجّع لها كل حقوقها المالية والشرعية دون نقصان.

قامت بوضع شهادة الطلاق داخل الملف الأسود القديم، ثم أغلقت الدرج بهدوء وابتسامة رضا ثابته ترتسم على وجهها. لم تكن تحس بأي ، ولا حتى رغبة في ؛ بل كان كل ما تشعر به هو الخفة والحرية… كطائر كسر أخيرًا القفص الحديدي الذي كان .

وصل والدها المهندس صلاح ووالدتها إلى الشقة، يحملان معهما هدايا بسيطة وتورتة صغيرة وصازجة بالكرز والفواكه لم تشبها شائبة.

جلس الوالد على رأس السفرة، وقبل رأس ابنتها ياسمين وقال بصوت دافئ يملأه الفخر:

ـ مبروك يا بنتي… مبروك رجوع كرامتك وحقك وحريتك. إنتِ أثبتِ إن المرأة القوية مش هي اللي بتصرخ وتعمل مشاكل، المرأة القوية هي اللي بتعرف تتصرف بعقل، وتحفظ كرامة أهلها، وتسترد حقها بالقانون والعدل من غير ما تنزل لمستوى اللي أذوها.

ردت ياسمين وهي تضع أطباق الحلويات النظيفة والجميلة أمام والديها بابتسامة ناصعة:

ـ الله يبارك فيك يا بابا… إنت وماما اللي علمتوني إن كرامة الإنسان هي أغلى ما يملك، وإن البيت اللي ما يحترمش أهلي، ما يلزمنيش. أنا النهارده مش بس استرديت حقي… أنا اتولدت من جديد.

ابتسمت الأم وضمت ابنتها بحنان، وبدأت الأسرة تأكل في جو من الدفء والأمان والسلام الذي حرموا منه لسنوات.

الحكمة من القصة:

* الكرامة خط أحمر: الأهل هم السند والأصل، ومن يرضى بإهانة والديه أو التقليل من شأنهم داخل بيته لإرضاء غيرهم، فقد تنازل عن مروءته وكرامته، ومن يفرط في كرامة أهله يُفرط في كل شيء بسهولة.

* الجزاء من جنس العمل: الظلم والتجبر لا يدومان. من استهان بنعمة الناس ومشاعرهم وأطعمهم من بخل الغرور والشماتة، سينتهي به المطاف يسأل الناس ولا يجد من يرحمه.

* الصبر والذكاء أقوى من : المواجهة الحكيمة واستخدام العقل والقانون يرجعان الحقوق بأناقة، في حين أن الغضب العشوائي يضيع الحقوق.

* البيت يُبنى على المودة والعدل: الزوج الذي يقف متفرجًا على استغلال زوجته وإهانتها، أو ينساق وراء الطمع والخيانة تحت مسمى الطاعة العميقة للباطل، يخسر بيته ونفسه ومستقبله، لأن الباطل مهما انتفخ… نهايته هشة  مدوٍّ.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى