عام

سلفتى حكايات رومانى مكرم 2

مرت السنين وتوالت الأيام، وياسين بقى يكبر قدام عينينا زي الشجرة المثمرة اللي رعيناها بحب وصبر. كبر الولد اللي كانوا بيقولوا عليه «أهبل ومعاق»، وبقى في مرحلة الشباب، شاب وسيم، طوال القامة، وعينيه بتلمع بالذكاء والهدوء. ياسين مكنش بس شاطر في مدرسته، ده أصبح عبقري في مجال التكنولوجيا والبرمجيات، وحبه للعلوم خلاه يتعلم ألماني وإنجليزي بإتقان شديد عشان يرد الجميل للدكتور هانز اللي أنقذ حياته وهو صغير.

في الناحية الثانية، كانت شقة نادية بتمر بظروف أصعب وأسوأ. سعيد جوزها اتقاعد من شغله، والظروف المادية ضاقت عليهم جداً. «شهيرة» البنت الكبيرة بعد ما فشلت في الثانوية العامة ومجابتش مجموع، قعدت في البيت مكسورة النفس، و«جنى» البنت الصغرى فضلت تعاني من التلعثم والخجل الاجتماعي، أما البنت الوسطى «مريم» فكانت دايماً في مشاكل مع أمها بسبب العصبية والضغط النفسي اللي عايشين فيه.

نادية كبرت في السن وتبدلت ملامحها، الكبرياء والغرور اللي كانوا ماليين وشها زمان اتماحوا كلياً، وحل مكانهم الانكسار والهم. كانت كل ما تشوف ياسين نازل من السلم بلبسه الشيك، ماسك لابتوبه في إيده، وبيرد السلام على جيرانه بكل احترام وطيبة، تفتكر كلامها القديم وتتحسر على نفسها وعلى حال بناتها.

وفجأة، جيه اليوم اللي اهتزت فيه العمارة كلها على خبر غير متوقع.

سعيد جوز نادية اتعرض  صحية حادة ومفاجئة، انسداد في شرايين القلب ونقص حاد في الأكسجين، ودخل في حالة غيبوبة مفاجئة. المستشفى الحكومي الصغير اللي جنبة العمارة مكنش فيه إمكانيات، والدكاترة قالوا إن العملية محتاجة مركز متخصص وتكلفة مادية باهظة جداً لا تطيقها أسرة سعيد، وإنه لو متنقلش لمستشفى مجهز خلال 24 ساعة، حياته هتنتهي.

نزلت نادية على السلم وهي بتصرخ وتلطم، بتطلب المساعدة من طوب الأرض. قعدت على السلم تبكي  وتستغيث:

— الحقوني يا ناس! سعيد بيموت مني ومش معايا جنيه واحد أعمله العملية! يارب ارحمني واغفر لي، ماليش غيره هو اللي شالني وشال البنات!

الكل في العمارة كان زعلان على سعيد لأنه رجل طيب ومحترم، بس المبالغ المطلوبة كانت فوق طاقة أي حد من الجيران. في اللحظة دي، خرج ياسين من  على صوت الصريخ. بص لنادية وهي قاعدة على الأرض في حالة انهيار كامل، الموقف رجّع بي ذاكرة زمان لما كانت بتعايره وتطرده، بس ياسين مكنش في قلبه ذرة غل ولا انتقام.

قرب ياسين من نادية، ونزل على ركبتيه قدامها على السلم. نادية رفعت عينها المليانة دموع وشافته، انكسرت أكتر واستخبت بوشها في إيديها وقالت بصوت مهدود:

— بلاش تبصلي يا ياسين.. أنا استاهل كل اللي يجرالي، أنا ظلمتك وظلمت أمك زمان، وربنا بياخد حقك مني دلوقتي..

ياسين مسك إيديها بحنية وقالها بصوت هادي وثابت:

— يا طنط نادية، ربنا ما بيسيبش حد، والماضي انتهى خلاص. عمي سعيد ده في مقام بابا، ومش هنسيبه أبداً.

ياسين مسك تليفونه فوراً واتصل بدكتور كبير في ألمانيا كان على تواصل معاه من خلال دكتور هانز. وبفضل العلاقات العلمية والمنحة الدراسية اللي ياسين شغال فيها، قدر يتواصل مع مدير أكبر مستشفى جراحة قلب في القاهرة، وطلب منه نقل عمّه فوراً على حسابه الخاص وفي عربية إسعاف مجهزة مجهزة بأحدث الأجهزة.

خلال ساعة واحدة، كانت عربية الإسعاف تحت العمارة، ونقلوا سعيد لمستشفى كبار الأطباء، وياسين كان واقف بنفسه بيتابع كل تفصيلة، ويدفع كل التكاليف والأدوية من المكافأة المالية الكبيرة اللي كان مستلمها مؤخراً عن مشروع برمجيات متطور ابتكره لمؤسسة دولية.

قعدنا كلنا في صالة الانتظار بالمستشفى. نادية كانت قاعدة في الزاوية، باصة لياسين وهو رايح جاي بين الأطباء، بيسأل بلباقة ويفهم التفاصيل الطبية باللغة الإنجليزية، ويوجه كل حاجة بنفسه. كانت بتبصلي والدموع نازلة من عينها زي المطر، مكنتش قادرة تصدق إن الشاب الشهم المتعلم اللي واقف ينقذ حياة جوزها، هو نفسه الطفل اللي كانت بتقول عليه «عيل أعفين وهبل وبقرف منه»!

خرج الدكتور من غرفة العمليات وهو بيمسح عرقه، وبص لياسين وقال:

— الحمد لله يا باشمهندس ياسين، الحقناه في الأوقات الأخيرة. العملية نجحت، وتجاوز مرحلة الخطر تماماً. لو كنتوا تأخرتم نص ساعة كمان مكنش هيبقى فيه أمل.

نادية سجدت في أرض المستشفى وهي بتصرخ بالبكاء والشكر لربنا. وبعد ما قامت، قربت من ياسين ومسكت إيديه الاثنين وبستهم بحرقة، وهي بتقول بصوت يتقطع من العياط:

— سامحني يا ابني.. سامحني يا ياسين! أنت مش بس رجعتلي جوزي، أنت علمتني أصل الأدب والرحمة. أنا كنت عمياء وغبية، والولد اللي كنت فاكراه عيب في العيلة، بقى هو تاج رأسنا وسندنا كلنا!

ياسين ابتسم وباس رأسها وقال:

— المسامح كريم يا طنط، والفضل كله لربنا ثم لأمي وأبوي اللي صبروا وربوني صح.

رجعت الحياة لبيت سعيد بعد شفائه، وبقت نادية إنسانة ثانية تماماً، اتغيرت معاملات قسوتها، وبقت تحب ياسين وتدعي له في كل صلاة، وتحاول تعوض بناتها عن القسوة والضغط اللي عاشوه زمان.

بس رحلة ياسين مكنتش وقفت عند الحد ده.. بعد شهور قليلة، استلم ياسين جواب رسمي ومهم جداً وصله بالبريد المسجل من ألمانيا، جواب هيغير مجرى حياتنا وحياة العيلة كلها للمرة الثانية..

فتح ياسين الجواب المسجل بحرص، وكانت ايديه بتمشي على السطور بعناية، وحسام وأنا واقفين جنبه وقلوبنا بتدق بأقصى سرعة. عينيه كانت بتلمع وهو بيمشي بين الكلمات الألمانية المترجمة للإنجليزي، وفجأة رفع رأسه وبصلنا والابتسامة مالية وشه، وقال بصوت هز البيت من الفرحة:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى