عام

سلفتى حكايات رومانى مكرم 2

— الجواب ده من مؤسسة الدكتور هانز للأبحاث الطبية والتكنولوجيا الحيوية في ألمانيا.. طالبيني رسمياً عشان أكون مدير فريق البرمجيات والذكاء الاصطناعي للمشروع الجديد الخاص بتطوير أجهزة التأهيل العصبي للأطفال المعاقين حركة ونطقياً حول العالم! والمؤسسة بتعرض عليا منحة كاملة وعقد عمل دائم، ومعاها سكن عائلي وتأشيرات استقدام ليك يا بابا وليكي يا ماما عشان تعيشوا معايا هناك!

حسام اترسخ في أرضه من الاندهاش ودموعه نزلت على خدوده وهو بيضم ياسين لصدره، وأنا خرّيت ساجدة لله في أركان الشقة. الشاب اللي كانوا زمان بيبصوا له بنظرة شفقة وازدراء، وبيدعوا عليه بالرحمة كأنه عبء على الدنيا، بقى هو الأمل اللي هينقذ آلاف الأطفال في العالم كله!

الخبر انتشر في العمارة والشارع زي النار في الهشيم. الجيران كلهم طلعوا يهنوا ويباركوا، وصوت الزغاريد ملأ المكان. الكل كان مش مصدق إن «ياسين» ابن حسام، المسالم الهادي اللي مر بظروف صعبة، بقى عالم ومهندس كبير مطلوب بالإسم في أكبر مراكز الأبحاث في ألمانيا.

في اللحظة دي، طلعت نادية وبناتها من . ملامح نادية مكنتش زي زمان؛ الغل والتكبر اختفوا تماماً وحل مكانهم الخجل والندم الشديد. قربت مننا وهي ماسكة إيد سعيد جوزها اللي كان لسه بيتعافى ببطء من عمليته. سعيد سلم على ياسين بحرارة وباس رأسه وقال بدموع:

— رفع راسنا كلنا يا ابني.. ربنا يزيدك من نعيمه ويحميك من كل شر. انت تستاهل كل خير الدنيا لأن قلبك أبيض وما بتعرفش القسوة.

نادية وقفت قدامي بصت في عيني، ولأول مرة مكنتش قادرة تتكلم أو ترفع حاجبها زي زمان. رفعت إيدها المرتعشة ومسكت إيدي وقالت بصوت مكسور:

— مبروك يا هدى.. مبروك يا أختي. ربنا يجبر خاطرك زي ما صبرتي. أنا زمان كنت جاهلة وعمياء، كنت فاكرة إن البنات هما اللي هيسنوا ضهري وإن ابنك عالة، بس ربنا وراني إن العافية والتوفيق مش بإيد البشر.. ابنك هو اللي أنقذ جوزي من الموت، وهو اللي بيعلمنا كلنا يعني إيه رحمة. سامحيني يا هدى على كل كلمة مسمومة خرجت من بؤي، سامحيني على كوباية الشاي وعلى كل لحظة وجعت فيها قلبك.

بصلتها بهدوء وقلت لها:

— المسامح ربنا يا نادية.. أنا نسيت كل حاجة من اليوم اللي شفت فيه ابني واقف على رجليه. بس اتعلمي إن كل كلمة بنقولها بتتسجل عند ربنا، والقلوب مش لعبة نكسرها وقت ما نحب.

نادية نزلت رأسها في الأرض وبكت بحرقة، وقربت من ياسين وقالت له:

— ادعي لبناتي يا ياسين.. ادعي لهم ربنا يهديهم ويصلح حالهم، أنا ضيعتهم بقسوتي وجشعي.

ياسين بصلها بابتسامة ناصية البياض وقالها:

— يا طنط نادية، البنات دول إخواتي، وأنا مش هسافر وأسيبهم كده. شهيرة لازم تدخل كورس تحسيني في اللغات والتكنولوجيا وأنا هتكفل بتدريبها بنفسي عشان تلاقي شغل محترم وتستعيد ثقتها في نفسها، وجنى أنا اتكلمت مع دكتور استشاري تخاطب صديقي في القاهرة، وهيتابع حالتها من الأسبوع الجاي وعلى حسابي الكامل لحد ما ترجع تتكلم أحسن من الأول.

نادية اتسمرت مكانها ومكنتش مصدقة اللي بتسمعه. الولد اللي كانت بتقول عليه «أهبل وأعفين بقرف منه» وبتمنع بناتها يقربوا منه عشان ما يتعدوش، هو هو نفسه اللي بيقودهم دلوقتي للبر وبيمد إيده بالخير عشان ينقذ مستقبل بناتها من الضياع! وقعت نادية على ركبتيها في السلم وتبكي بصوت عالي وهي بتدعي له:

— ربنا ينصرك يا ابني.. ربنا يرفع قدرك كمان وكمان ويحبب فيك خلقه في كل أرض تطأها رجلك!

مرت الأسابيع السريعة، وكانت التجهيزات للسفر شغالّة على قدم وساق. ياسين كان رايح جاي بين السفارة والشركات، يخلص أوراق سفري أنا وباباه، ويتابع حالة «جنى» بنت عمّه مع دكتور التخاطب اللي بالفعل بدأ يعمل معاها جلسات متطورة جابت نتيجة سريعة، والبنت بدأت تبتسم وترجع لها الثقة بالنفس. أما «شهيرة» فبدأت تدرس كمبيوتر ولغات بتوجيه مباشر من ياسين، وشغفها بالتعليم رجع من جديد بعد ما كانت فاقدة الأمل في الحياة.

ليلة السفر، كانت العمارة كلها سهرانة معانا. الشقق كلها كانت مفتوحة على بعضها، ونادية كانت طالعة نازلة بتساعدني في تجهيز الشنط، وتعملنا أكل للسكّة، وعينيها مش بتفارق ياسين وهي بتستغفر ربنا في سرها على كل لحظة ظلمته فيها.

سعيد مسك إيد حسام وقال له:

— هتوحشنا يا حسام.. العمارة هتظلم من غيركم، بس قلوبنا معا كوراعيين ليكم بالخير. انت ربيت راجل، والراجل ده بقى فخر للعيلة كلها.

حسام رد عليه وهو حاطط إيده على كتف ياسين:

— الحمد لله يا سعيد.. ربنا لما بيبتلي بيبقى لحكمة، ولما بيدي بيدي بغير حساب. الصبر مفتاح كل باب مقفول.

في الصباح الباكر، نزلنا العمارة والشمس بتشرق. عربية المطار كانت مستنيانا تحت. الجيران كلهم كانوا واقفين يودعونا بالدموع والورد. ياسين بصل العمارة وبصل الشباك اللي كانت نادية بتقف فيه زمان وتصرخ بمعايرتها، وابتسم ابتسامة هادية، وحط إيده في إيد أبوه وإيدي، وركبنا العربية.

العربية مشيت بينا في شوارع القاهرة متجهة للمطار. كنت بتبص من الشباك وأنا حاسة إن كل شبر في المدينة بيسلم علينا. رحلة طويلة من الوجع والكسرة والدموع بتنتهي اليوم، وتبدأ مرحلة جديدة تماماً في دولة جديدة، وحياة جديدة كلياً.

وصلنا مطار القاهرة الدولي، وخلصنا إجراءات السفر والتحقنا بصالة المغادرة. ياسين كان ماشي جنبنا مرفوع الرأس، والكل بيتعامل معاه باحترام شديد لما بيشوفوا جوازات السفر الخاصة والخطاب الرسمي المنشور باسمه من المؤسسة الألمانية.

ركبنا الطيارة، وقعدت جنب الشباك وياسين جنبي وحسام في الناحية الثانية. الطيارة بدأت تتحرك على الممر، وترتفع تدريجياً في السماء. بصلت للسحاب وأنا بفتكر كل اللحظات الصعبة: لحظة ما كانت نادية بتزق الكوباية، ولحظة ما كانت بتقول «ابن أخوك معاق وأهبل»، ولحظة ما كنت بضم ياسين لصدري وأبكي في الظلمة.

ياسين مسك إيدي الدافيّة، وبصلي بعينيه المليانة حنية وقال:

— خلاص يا ماما.. اللي فات مات، والنهارده بنبدأ صفحة جديدة خالص. ألمانيا مستنيانا، وهناك هنعمل حاجات عظيمة أوي.

ابتسمت له وبست إيده، والطيارة اخترقت السحاب طالعة بينا على أوروبا.. بس الأحداث مكنتش هتقف عند مجرد النجاح والسفر، لأن ألمانيا كانت شايلانا مفاجآت ثانية غير متوقعة، ومواجهات جديدة لم تكن في الحسبان..

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى