عام

حكايات زهره الربيع 1

حماتي كل ما تاكل من اكل انا طبخاه تفضل تتقئ طول الليل ، مع ان كلنا بناكل من نفس الاكل بس هيه الوحيده اللي تتأذي منه ، الاسوء بقى انها لو اكلت من اكل طبخاه واحده من سلايفي مش بيحصلها حاجه وبتنام مرتاحه المشكله كلها في اكلي انا ، بنتها قالتلي انتي اكيد بتحطيلها حاجه في طبقها ، وجوزي قال يمكن نفسك في الاكل تقيل على معدتها ، بس اللي اكتشفناه كان اسوء واغرب بكتير من كل توقعاتنا !!!!!!

​أنا اتجوزت من فترة قريبة، ورزق ربنا ليا كان كبير إنه حطني في بيت عيلة هادي وجميل. عايشة مع زوجي «خالد» في شقتنا بالطابق التاني، وتحتنا حمايا وحماتي، ومعانا في نفس البيت أخوين لخالد وزوجاتهم. بصراحة، من أول يوم دخلت فيه البيت ده والدنيا كانت زي الفل؛ مفيش بقى جو “المشاكل بين السلايف” ولا القيل والقال. حتى حماتي دي، ربنا يعلم، ست طيبة جداً وزي البلسم، كلامها دايماً حنين وترحابها بيا يفتح النفس، كانت دايماً تساعدنا وتجيب الناقص وتدعي لنا من قلبها.

​أول شهر جواز كنت قاعدة في شتي فوق، عزلة عرسان هادية، ماليش دعوة بأي طبيخ تحت. بس بعد ما الشهر خلص، كان طبيعي أبدأ أشارك مع سلايفي في البيت. اتفقنا نقسم الأسبوع بينّا، أنا عليا يومين في الأسبوع أطبخ للبيت كله تحت.

​أول يوم جه عليا في الطبيخ، نزلت المطبخ بهمتي، عملت أكل يفتح النفس كان روعة والأكل عجب الكل بلا استثناء. حماتي قعدت تأكل وتقول لي: «تسلم إيدك يا بنتي، الأكل يجنن». يفوت ساعتين بس بعد الأكل، ونسمع صوت حماتي من أوضتها! الست دخلت في نوبة ترجيع وتعب مش طبيعية، طول الليل وهي بتتقيأ ومش قادرة تقف على حيلها. وقتها كلنا اتخضينا، وقلنا يمكن دور برد في المعدة ولا حاجة، ووارد تصادف!

​تاني يوم، كان دوري برضو في الطبيخ، عملت أكل مختلف خالص، وبرضو حماتي أكلت ونفس السيناريو اتكرر بالحرف! تعب وترجيع طول الليل، في حين إن البيت كله — زوجي، وإخواته، وسلايفي، وأنا — بناكل من نفس الحلة ونفس الأطباق ومفيش أي حد فينا بيحس حتى بمغص صغير!

​الأسابيع عدت، والموضوع بقى يرعب. كل ما يجي اليومين بتوعي في الطبيخ، حماتي تاكل من هنا، وتفضل طول الليل تتقيأ وتصرخ من معدتها من هنا! وباقي أيام الأسبوع تاكل من أكل سلايفي وتنام مرتاحة وزي الفل ومفيش أي حاجة خالص! الموضوع بقى ملفت، وكل اللي في البيت لاحظوه بس محدش كان فاهم في ايه.

​لحد ما في يوم، جت عايده بنت حماتي — أخت خالد — وكانت بايتة مع أمها. شافت المنظر وشافت أمها وهي بتتألم بعد أكلي، فجأة لقيتها واقفة في الصالة وبتقول لأمها بصوت عالي جداً وقاصدة تسمعني وأنا جوة في المطبخ:

— «دي حاجة غريبة أوي بصراحة! اشمعنى لما مرات خالد تطبخ بيحصلك كده؟! أنا شاكة إن البت دي بتحطلك حاجة في طبقك بالذات!»

​أنا سمعت الكلمة من هنا، ودمي غلي! طلعت لها من المطبخ وأنا بقول :

— «قصدك إيه بالكلام ده؟! أنا هحط لـ أُمك حاجة ليه؟! دي زي أمي وأكتر، وعمري ما شفت منها حاجة وحشة!»

ردت عليا ببرود واستفزاز:

— «واشمعنى يعني يوم طبختك أنتِ بالذات؟ واشمعنى أمي بس اللي بتتعب والبيت كله زي الفل؟!»

​حماتي وهي تعبانة حاولت تسكتها وقالت بصوت مهدود:

— «عيب كده يا بت.. يمكن معدتي تعبانة وهي جلت معايا، البنت ملهاش ذنب ومبتعملش حاجة.»

​خالد دخل في الكلام عشان يلم الموضوع ويهدّي النفوس، وقال لأخته:

— «يا عايده يمكن نفس هاله في الأكل تقيل شوية؟ يمكن بتزود سمنة، ولا الدقة والتوابل بتوعها تقال على معدة أمي؟ أنا هخليها تخفف الحاجات دي في أكل أمي المرة الجاية، وبلاش تعملي حريقة ومشاكل من مفيش.»

​بس أخته كانت قافلة مخها تماماً، وقالت بغضب وزعيق:

— «أنا مش هستنى لما أمي تتسمم بجد! أنا عندي حل.. إحنا نحط كاميرا في المطبخ، ومرات خالد تطبخ زي العادة ومحدش يخطي خطوه جوة المطبخ غيرها خالص. لو الكاميرا لقطت إنها بتحط حاجة، يبقى عرفنا اللي فيها.. ولو ما لقطتش حاجة وأمي تعبت، يبقى صدفة ونفس تقيل زي ما بتقول.. أما بقى لو الكاميرا ملقطتش حاجة، وأمي متعبتش المرة دي، يبقى مراتك كانت بتحط حاجة ولما عرفت إن فيه كاميرا خافت وما حطتش!»

​خالد كان هيزعق ويرفض الإهانة دي ليا، بس أنا بصيت لها بمنتهى الثقة والتحدي وقلت:

— «أنا موافقة! ركبي الكاميرا واعملي اللي أنتِ عايزاه عشان حقي يبان وأخلص من التهمة الباطلة دي.»

​وبالفعل، اتركبت الكاميرا في زاوية المطبخ بتكشف كل شبر وكل حركة، ونزلت أنا المطبخ لوحدي تماماً ومحدش حط رجله جوة. طبخت الأكل بتركيز ، وعملت كل حاجة بضمير زي ما بعمل كل مرة. خلصت الأكل، وحطينا السفرة، وقعدت حماتي أكلت من الأكل وهي بتسمي.

​عدت ساعة.. ساعتين.. وفجأة، بدأت حماتي تتوجع وتتقيأ وتتعب زي كل مرة بالحرف!

​في اللحظة دي، البيت كله اتكهرب. وجريوا بسرعة وشغلوا تسجيل الكاميرا وقعدنا كلنا حوليها عشان نشوف إيه اللي حصل في المطبخ من وراهم..

​واللي شفناااااه في تسجيل الكاميرا.. كان أغرب وأسوء بكثير من كل توقعاتنا، حاجة محدش فينا كان ممكن يتخيلها أو تيجي على باله لحظة واحدة!!!!!

فضلت الأيدي متسمرة على شاشة التلفزيون اللي اتوصلت بكاميرا المطبخ، وعيون الكل معلقة بالصورة المغبشة. كان المشهد قدامي واضع وبيسجل كل لحظة: أنا واقفة بطبخ، بنضف الخضار، بتبل الفراخ، وبقلب الأكل بمنتهى النظافة والضمير. مفيش أي حركة مريبة، مفيش أي علبة طلعت من جيبي، ولا أي مسحوق أبيض اترش في الأطباق زي ما عايدة اخت خالد كانت بتتمنى تتفرج.

عايدة كانت قاعدة جنمب أمها، عيونها مبرقة في الشاشة، بتدور على أي غلطة، أي هفوة تثبت إني “الساحرة الشريرة” اللي جاية تسم أكل أمها. بس الشاشة كانت بتعرض براءتي الكاملة. خالد جوزي اتنفس الصعداء ورجع ضهره لورا، وبص لأخته بنظرة حادة وقالها:

— «أهو.. ارتحتي؟ الكاميرا اهي مصورة كل حاجة من لحظة ما دخلت لحد ما الأكل اتغرف.. هتقولي إيه تاني بقى يا عايدة؟ هل هتقولي إنها بتعمل سحر في الهواء؟!»

عايدة سكتت، وجهها اتخطف ولونها اصفر، بس التعب اللي كان نازل على حماتي في  التانية والصرخات اللي بتطلع منها كل ما معدتها تتقلب كانت بتخلي الموقف معقد أكتر. إذا كنت أنا بريئة، والكاميرا أثبتت إني ما حطيتش حاجة.. ليه حماتي في اللحظة دي بالذات قاعدة بتستفرغ ودموعها نازلة من ألم معدتها؟!

فجأة، وسلفتي الكبيرة “سمر” — مراتي الأخ الأكبر لخالد — واقفة ورا ، شفتها بتدقق في فيديو الكاميرا وبتركز في التفاصيل الصغيرة أوي.. تفاصيل مفيش حد أخد باله منها خالص غيرها. سمر قربت من الشاشة، وقالت بصوت واطي بس يرعب:

— «استنوا.. كبروا الحتة دي.. شايفين اللي بيحصل في زاوية الرخامة؟!»

الكل قرب من الشاشة، وسمر عملت زوم على زاوية الرخامة اللي ورا البوتاجاز، قريب من العلب اللي بحط فيها التوابل. في لحظة ما أنا كنت مدية ضهري للرخامة وبقلب الرز، أيد صغيرة الغريب إنها مش أيدي، أيد ناعمة ولابسة أسورة دهب معروفة في البيت كله، اتسحبت بالراحة من تحت الضلفة الواطية اللي جنب السكة، وفتحت البرطمان بتاع ملح الشوربة.. ورشت فيه مادة بيضا ناعمة جداً، ودعكت الحافة بقماشة مبلولة وانسحبت في ثواني معدودة!

البيت كله اتسمر مكانو. الصمت بقى سيد الموقف، صمت أرعب من الصراخ.

الأسورة الدهب اللي في الفيديو.. كانت أسورة “أميرة”.. سلفتي الصغيرة، مراتي الأخ الأصغر لخالد!

العيون كلها اتجهت ببطء ونظرات ذهول ناحية أميرة، اللي كانت واقفة في أخر الصالة، وشها بقى متغرق عرق، وركبتها بتخبط في بعضها من الرعب. أميرة اللي كانت دايماً بتظهرلي الوش الحنون، بتضحك في وشي وتجيبلي العصير وأنا بشتغل في المطبخ، وبتقولي «تسلم إيدك يا هالة أنتِ نورتي البيت».

خالد قام من مكانه زي المجنون، وقرب منها وهو بيترعش من الغضب:

— «أنتِ؟! أنتِ يا أميرة اللي بتعملي في أمي كده؟! أنتِ اللي بتحطي  والأقراص في الأكل عشان تلبسيها لـ هالة؟! ليه؟! أمي عملتلك إيه؟! وهالة عملتلك إيه؟!»

أميرة رجعت لورا وهي بتصرخ وتعيط هستيري:

— «لا والله العظيم! أنا مش قصدي أسم عميمة! والله ما قصدي أذيها هي!»

جوزها “محمود” قرب منها ومسكها من دراعها بقوة وهو مش مصدق:

— «يعني إيه مش قصدك تأذي أمي؟! أنتِ بتعترفي يا أميرة؟! أنتِ بتحطي إيه في الأكل؟! نطقي بدل ما أقتلك في إيدك دي!»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى