عام

حكايات زهره الربيع 1

أميرة وقعت على الأرض وانهارت في العياط، وبدأت تعترف بلسانها، والاعتراف كان أبشع وأمر من كل اللي اتخيلناه.

قالت وهي بتبصلي بنظرات كلها غل وحقد:

— «أنا كنت بحط مسهل قوي.. مسهل طبيد وبودرة بتعمل تقلصات وترجيع في المعدة! بس والله العظيم ما كنت بحطه لأمك يا محمود.. أنا كنت بحطه في الطبق اللي هالة هتاكل منه!»

الكلمة نزل علينا كلنا زي الصاعقة.

سمر سلفتي اتكلمت بذهول:

— «تحطيه لـ هالة؟! وليه أمي هي اللي كانت بتتعب كل مرة بدالها؟!»

أميرة وهي بتشهق من العياط كملت:

— «لأن هالة.. هالة من يوم ما دخلت البيت ده، وحماتي طايرة بيها! كل ما هالة تعمل حاجة تقول “شوفوا هالة العاقلة”، “شوفوا هالة الشاطرة”، “شوفوا الأكل اللي من إيد هالة”! أنا بقالي ثلاث سنين في البيت ده، باكل التراب عشان أثبت إني كويسة، ومفيش كلمة حلوة طلعتلي! فلما هي جت وأخدت السجادة من تحت رجلي، قلت أكسر عينها.. قلت أخليها تاكل الأكل من هنا، ويجيلها إسهال وترجيع قدامكم كلكم، وتبان إنها قرفانة ومقرفة وما بتستحملش، أو تظهر إنها بتتظاهر بالتعب عشان ما تطبخ تاني!»

عايدة اخت خالد صرخت فيها:

— «طب وطالما أنتِ عايزة تأذي هالة.. أمي مالها؟! أمي كانت بتموت طول الليل بقالها شهرين!»

أميرة غمضت عينها وبدأت تبكي بدموع ندم وحسرة وقالت:

— «ما كنتش اعرف.. ما كنتش اعرف إن عميمة حنينة أوي كده! كل يوم هالة تطبخ فيه، عميمة كانت بتدخل المطبخ قبل ما السفرة تتفرش، وتقول لي “يا أميرة هاتي الطبق الكبير اللي هالة غرفته ده، ده شكله حلو ومستوي كويس، خليه لأمك، وهالة و باقي البنات ياكلوا من الأطباق التانية”! عميمة كانت بتاخد الطبق المميز اللي أنا عاملاه حسابي إن هالة تاكل منه بملعقة علمتهالها، وتاكله هي بحب عشان تفرح هالة إنا أكلت من إيدها الأكل الغالي!»

الكل بقى واقف مش قادر يستوعب حجم الشغل والغل والغباء اللي يدمر بيت كامل عشان غيرة حريم ونفوس مريضة. حماتي، الست الطيبة اللي كانت بتفرح بأكلي وبتاخد أطعم طبق في السفرة عشان تجبر بخاطري قدام سلايفي وتدعيلي، كانت هي اللي بتبلع السم والوجع والتقلصات كل مرة، بسببة الغل اللي مالي قلب سلفتي أميرة!

خالد بص لأخوه محمود وقال بصوت جاف زي السكين:

— «مرتك كانت بتطعم أمي سم.. مش مهم المادة إيه، المهم النية.. مرتك بوظت بيتنا وزرعت الشك بيني وبين أختي وبين مراتي.»

محمود بص لأميرة بنظرة قرف، وقالها جملة واحدة هزت أركان :

— «أنتِ ملزمكيش قعدة في بيتنا ولا على ذمتي دقيقة واحدة.. لمي هدومك، وحسابك معايا ومع أبوي في المحاكم مش هيخلص.»

أميرة سحبت نفسها على الأرض وهي بتترجى حماتي اللي كانت نايمة على السرير ودموعها نازلة على خدها.. حماتي بصتلها بوجع وقالتلها كلمة واحدة بس كسرت قلب الكلمات:

— «أنا كنت فاكراكي بنتي يا أميرة.. كنت باخد الطبق الحلو عشان أقول للبنات شفوا أميرة وهالة بيعملوا إيه.. طلعتي بتحطيلي الوجع بإيدك؟»

خرجت أميرة مطรودة في منتصف الليل، والبيت كله اتغيرت ملامحه في لحظات. الشك اللي كان بيني وبين أخت خالد اتقلب لخجل شديد منها، وعايدة جردت رأسها في الأرض وقربت مني وهي بتعيط ومسكت إيدي وقالتلي:

أنا طبطبت عليها، بس قلبي كان بيعتصر من الحزن على حماتي اللي جسمها  من الأدوية بدون أي ذنب، وعلينا إحنا اللي كنا عايشين في بيت فاكرينه هادي وطلعت فيه نفوس بتاكل في بعضها تحت نفس السقف.

بس المشكلة ما انتهتش عند طرد أميرة..

بعد يومين من الواقعة دي، وأنا نازلة أنضف  حماتي وأعملها أكل خفيف لمعدتها التعبانة، لقيت باب  اللي تحت مقفول بالمفتاح من جوة، وصوت حركات غريبة ومكتومة طالعة من  الجوانية.. صوت حد بيمشي بسرعة وبيفتح الأدراج!!

وقفت في الصالة وقلبي بدأ يدق بسرعة.. أميرة مشيت خلاص ومحمود أخو خالد مش موجود.. يا ترى مين اللي جوة  في الوقت ده؟! ويدور على إيه بعد كل اللي حصل؟!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى