
وقفت في الصالة وقلبي بيلطش في قفصي الصدري زي العصفور المذبوح. الصوت كان واضح، خطوات خفيفة بس متسارعة، وصوت خروشة ورق ومفاتيح بتتخبط في أدراج المكتب الخشب القديم بتاع حمايا. المفروض إن البيت فاضي تماماً؛ خالد ومحمود وإخواتهم نزلوا شغلهم من الصبح، وحماتي أخت خالد أخدتها الصبح بدري تروح بيها المستشفى عشان تعمل تحاليل وأشعة على معدتها وجدار المريء اللي التهب من كثرة الترجيع والتقلصات، وحمايا قاعد معاهم هناك. يعني البيت كله فاضي، وأنا بس اللي نزلت أفتح بالنسخة الاحتياطية عشان أنضف وأجهز أكل خفيف ولطيف لحماتي قبل ما ترجع.
مسكت يد المقشة الخشب اللي كانت جنمب الباب بتركيز، مشيت على أطراف صوابعي بخطوات مالهاش أي صوت. كل خطوة كنت بحس إن الأرض بتقرب من قلبي من كثر الخوف، بس الفضول والرغبة في حماية البيت ده بعد اللي حصل مع أميرة كانوا أقوى من أي رعب. قربت من باب أوضة النوم الرئيسية، الباب كان موارب معرّض لضوء خفيف داخل من شباك المنور.
-
6 سنين حكايات رومانى مكرم 2منذ 12 ساعة
-
6 سنين حكايات رومانى مكرم 1منذ 13 ساعة
-
حكايات زهره الربيع 3منذ 18 ساعة
-
حكايات زهره الربيع 1منذ 18 ساعة
وربّيت الباب بالراحة أوي.. ولما بصيت من الفتحة الصغيرة، اتسمرت مكاني والدم اتجمد في عروقي.
كانت “سمر”.. سلفتي الكبيرة! مراتي الأخ الأكبر لخالد!
سمر اللي كانت واقفة جنبنا المبارح بتدافع عني، سمر اللي عملت زوم على فيديو الكاميرا ويكشفت أميرة وهي بتحط المسهل في الملح، سمر اللي ظهرت قدام الكل في مظهر القديسة والحكيمة اللي أنقذت البيت وكشفت الحقيقة!
كانت جالية على ركبتها قدام الخزنة الحديدية الصغيرونة اللي حمايا حاططها في أسفل الدولاب، وفي إيدها مجموعة مفاتيح قديمة بتجرب فيها واحد ورا الثاني، وجنبها على الأرض كيس بلاستيك أسود كبير مفتوح!
أنا ما قدرتوش أمسك نفسي، الشهقة طلعت مني غصب عني. سمر اتنفضت في مكانها زي اللي اتكهربت، اتلفتت بسرعة برأسها وشفت عيونها مبرقة من الرعب والتوتر. لما شافتني واقفة ماسكة يد المقشة وشي أصفر زي الليمونة، وقفت بسرعة وحاولت تداري الخزنة بجسمها، بس كانت مفيش فايدة.. الاتهام كان واضح ومكشوف زي شمس الضهر.
سمر بلعت ريقها بصعوبة، وشها اتغير من الملامح الهادية الطيبة لملامح ثانية خالص.. ملامح قاسية، باردة، وفيها كمية شر مخيفة. قربت مني بخطوات بطيئة وهي بتقفل الفتحة اللي بيني وبين باب الأوضة، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنه حشرجة:
— «أنتِ إيه اللي نزلِك دلوقتي يا هالة؟ مش أخت خالد قالت إنهم هيفضلوا في المستشفى لحد العصر؟!»
رجعت لورا خطوة وأنا رافعة يد المقشة في وشها وبقول بصوت بيترعش:
— «أنتِ بتعملي إيه هنا يا سمر؟! بتفتحي خزنة حمايا ليه؟! وبيدوري على إيه في غيابهم؟!»
سمر ضحكت ضحكة خفيفة استهزائية، ضحكة ترعب، وقالت وهي بتهز رأسها بثقة غريبة:
— «بسترد حقي.. حقي وحق جوزي اللي حماكي عايز يحرمنا منه وبيديه لخالد جوزك على طبق من دهب!»
ما كنتش فاهمة حاجة، عقلي مش قادر يستوعب كمية اللي بتحصل في البيت ده. سمر كملت كلامها بمنتهى الصرامة والغل:
— «حماكي الكبران ده كتب الكبيرة والورق بتاع المحل الجديد باسم خالد! فاكرين إن محدش عارف؟ فاكرين إن سمر العبيطة اللي شغالكم كلكم خدامة وبتحلل لمتكم مش فاهمة حاجة؟! أنا شفت الأوراق بعيني الأسبوع اللي فات في الأدراج هنا.. ولما جيت أخدها عشان أواجه محمود وجوزي وأفضح العدل المزيف بتاع البيت ده، الخزنة اتسدت!»
بصيت لها بذهول وقلت لها:
— «يقوم تدخلي تسرقي الورق من وراهم؟! وتستغلي إن البيت فاضي وحماتي بتموت في المستشفى؟!»
هنا سمر قربت مني أوي، ولفت وشها وقالت جملة نزلت على دماغي زي الصاعقة:
— «وحماتي تعبانة بفضل مين يا شاطرة؟ مش بفضلي أنا؟!»
برقت عيوني وقلت أرعب من أميرة:
— «قصدك إيه؟! أميرة هي اللي كانت بتحط المسهل وسجلتها الكاميرا!»
سمر ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت ببرود:
— «أميرة كانت الغبية اللي استخدمتها! أميرة كانت بتغير منك وبتغل، وأنا اللي قعدت في ودانها وأوهمتها إنك بتتكلمي عليها وبتقولي إن أكلها يقرف.. أنا اللي لفت نظرها لدوا المسهل وقلتلها بالطريقة إنه مش بيظهر في الأكل! بس أميرة كانت أجبن من إنها تكمل.. أميرة حطت الدوا مرتين بس في الأول وكان خفيف! لما لقيت إن حماتك بتتعب تعب بسيط وما حدش حاسس بحاجة، بقيت أنا اللي بدخل المطبخ من وراكم وأزود الجرعة بضعف.. أنا اللي كنت بحط أدوية ثانية أشد وأقوى عشان الموضوع يكبر، وعشان التهمة تلبسك أنتِ تماماً وتطلعي من البيت ده مطرودة وفضيحتك على كل لسان!»
أنا جسمي كله كان بيترعش.. سمر مش بس كانت بتسرق، سمر كانت هي العقل المدبر اللي بيحرك أميرة زي الدمية، وكانت بتسم حماتي بجرعات مضاعفة عشان تخلص مني ومن وجودي، وفي نفس الوقت استقرار البيت!
قلت لها بصوت بالدموع:
— «أنتِ شيطانة.. أنتِ مش بني آدمة! حماتي اللي بتعاملك زي بنتها، واللي كانت بتدافع عنك قدام الكل.. تعملي فيها كده عشان شوية أوراق وفلوس؟!»
سمر بغضب وزعيق مكتوم:
— «محدش هنا بيحب حد! كله بيمثل! وأنتِ دلوقتي قدامك حلين مالهمش ثالث يا هالة.. يا تقفلي بؤك ده خالص، وتطلعي شقتك وتعملي نفسك ما شفتيش حاجة، وأنا أخد أوراقي وأخرج وأنتِ تكسبي حياتك وجوزك.. يا إما والله العظيم يا هالة، أصرخ دلوقتي وألم الشارع كله، وأقول إنك نزلتِ الخزنة ولما قفشتك ، وساعتها محدش هيصدقك.. خاصة إن الكل عارف إنك كنتِ الأولى من يومين بس!»
وقف الوقت بيننا، الشقة كانت ساكنة تماماً ومفيش غير صوت أنفاسنا العالية. سمر كانت واثقة إن هددها هيخليني أخاف وأتراجع، وكانت فاكرة إن ضعف خبرتي في البيت ده هيخليني أستسلم لشروطها.
بس في اللحظة دي بالذات، سمعنا صوت خبطة جامدة مفاجئة جاية من ناحية الصالة.. صوت حط حديقة أو حاجة ثقيلة وقعت على السيراميك!
سمر اتخضت ولفت وشها بسرعة ناحية باب الأوضة، وأنا استغليت اللحظة دي وضغطت بكل قوتي على زرار التسجيل الصوتي في تلفوني اللي كان في جيب جلابيتي وكنت شغلت تسجيل الميكروفون من أول ما سمعت الصوت في !
خرجنا إحنا الاثنين بالراحة ناحية الصالة، وبصينا في الضلمة الخفيفة..
لقينا الباب الرئيسي بتاع الشقة مفتوح على آخره..
وواقف في نص الصالة شخص محدش فينا إطلاقاً كان يتوقع وجوده في الوقت ده..
شخص كان بيسمع كل كلمة اتقالت جوة الأوضة بيني وبين سمر.. شخص عينيه كانت مليانة دموع وكسرة وذهول يخوف أي حد يتفرج عليه!
وقف الشخص ده في نص الصالة، وعيونه بتلمع بالدموع والذهول. كان “محمود”.. أخو خالد وجوز أميرة اللي اتطردت من البيت من يومين!
محمود كان راجع البيت بدري عشان ياخد أوراق شخصية لوالده يوديها المستشفى، وفتح الباب بنسخته من غير ما يعمل صوت، وسمع كل حرف اتدبر واتقال جوة الأوضة. كان واقف ومسكته للشنطة اللي في إيده بتترعش، وبص لسمر بنظرة كسرة وقرف ما أظنش إنها هتنساها طول حياتها.
محمود قرب خطوات بطيئة، وصوته كان طالع مخنوق ومتحشرج من كثر الصدمة:
— «أنتِ؟! أنتِ يا سمر اللي عملتي كل ده؟! أنتِ اللي لعبتي بعقل أميرة وخليتيها تعمل كدة عشان تلبسيها لـ هالة؟ أنتِ اللي دمرتي بيتي وشردتي مراتي وخليتيني أطلقها وأفضحها قدام الناس، وأنتِ الشيطان الحقيقي اللي كان بياكل فينا؟!»
سمر وشها اتشفط منه الدم، ورجعت لورا وهي بتترعش وتحاول تتلعثم في الكلام:
— «محمود.. افهم الأول.. والله الكلام مش زي ما أنت فاهم.. هالة هي اللي كانت عايزة تسرق الخزنة وأنا قفشتها وهي اللي بتتبلى عليا!»
محمود صرخ فيها بصوت هز جدران الصالة كلها، صرخة طلعت من وجع قلبه على بيته اللي اتخرب:
— «اسكتي! أوعي تنطقي كلمة ثانية! أنا سامع كل حاجة بأدني من لحظة ما دخلت! سامعك وأنتِ بتعترفي إنك كنتِ بتزودي الجرعة لأمي وبتحطي أدوية أشد عشان تقتليها بالبطيء وتلبسيها لـ هالة! سامعك وأنتِ بتقولي إنك عايزة تسرقي الورق والخزنة!»
في اللحظة دي، سمعنا صوت دبة خطوات سريعة جداً على السلم.. خالد جوزي كان نازل يجري بعد ما محمود اتصل بيه وهو في الطريق وقال له ينزل بسرعة لأن فيه حاجة غريبة في شقة أبوه. دخل خالد الباب وهو بينهج، وشاف المنظر: محمود بيصرخ ودموعه نازلة، سمر واقفة مرعوبة ومستندية على الحيطة، وأنا واقفة ماسكة تلفوني وبيترعش في إيدي.
خالد بص لنا بذهول وقال:
— «فيه إيه؟! إيه اللي بيحصل هنا ومحمود بتصرخ ليه يا سمر؟!»
أنا ما استنيتش، رفعت تلفوني ودست على زرار تشغيل التسجيل الصوتي، وسبيكر التلفون اشتغل في نص الصالة. صوت سمر كان واضح ونقي جداً وهو بيملا المكان:
(وحماتي تعبانة بفضل مين يا شاطرة؟ مش بفضلي أنا؟! أميرة كانت الغبية اللي استخدمتها.. أنا اللي بدخل المطبخ من وراكم وأزود الجرعة بضعف..)
الصوت كان زي الرصاص اللي بيخترق صدر خالد ومحمود. خالد بص لسمر بنظرة تتحول من للغضب الأعمى، وقرب منها وهو بيصك على سنانه:
— «أنتِ.. أنتِ تعملي في أمي كده؟ أنتِ كنتِ بتسممي أمي وبتبوظي بيت أخويا وبترميهم عليا وعينك على أوراق ورث ومحلات؟!»






