
**الجزء الخامس**
مرت ستة أشهر على ليلة سقوط إمبراطورية العزايزي والألفي.
في القاهرة، كانت صفحات الحوادث والجرائد الرسمية تصدرت عناوين استرداد الدولة لأكبر مساحة أراضٍ في الشيخ زايد، والتحفظ على أموال عائلتين ظلتا لعقود فوق القانون. لكن بالنسبة لي، في المنصورة، كانت الحياة تسير بإيقاع آخر تماماً؛ إيقاع الشفاء والهدوء.
المشروع الصغير الذي بدأته لتدريب الفتيات على الفنون والرقص التعبيري كبر، وأصبح أكاديمية صغيرة أطلقت عليها اسم “بداية”. كنت أرى في عيون البنات اللاتي يأتين للتدرّب نفس الشغف الذي كان جوايا، لكن مع فارق واحد: كنت أحميهن من أن يتحول شغفهن إلى ساحة لمنافسات مسمومة أو عقد نفسية لغيرهن.
والدي الأستاذ سالم عاد له أمانه الداخلي. أوراق الخدمة القديمة والملفات التي ظلت كابوساً يطارد نومه لعقود، أصبحت الآن مجرد تقارير رسمية في حفظ أمانات وزارة العدل، وحصل على تكريم رسمي كأحد الشرفاء الذين حصروا أموال الدولة وحموها من الضياع.
لكن، كما تعلمت من الحياة في السنين الأخيرة، فإن الأفاعي عندما تُقطع رؤوسها، تظل أذيالها تفرز السموم لوقت طويل.
في صباح يوم أربعاء دافئ من شهر أبريل، كنت أقف في صالة التدريب بالأكاديمية أتابع تدريبات فريق الفتيات الكبار.
دخلت ميادة، التي كانت تزورني كل فترة من القاهرة، وعلى وجهها ملامح توتر مش غريبة عليا.
وقفت التدريب، ومشيت ناحيتها:
— في إيه يا ميادة؟ شكل في حاجة حصلت في القاهرة.
ميادة طلعت هاتفها المحمول وفتحت مقطع فيديو مباشر من إحدى السجون العمومية:
— كريم العزايزي عمل محاولة انتحار البارح جوه محبسه.. ونقلوه مستشفى السجن في حالة حرجة.
وقفت مكان ببرود، وما حسيتش بأي دقات قلب سريعة زي زمان.
— وليه بتقوليلي ده يا ميادة؟ موضوع كريم بالنسبة لي اتدَفَن من يوم ما سمعت القاضي ببنطق بالـ 7 سنين.
ميادة قربت مني ونبرة صوتها اتوطت:
— كريم قبل ما يقطع شرايين إيده، ساب جواب مكتوب باسمك أنتِ يا ندى.. والنيابة والشرطة اتصلوا بيا عشان نوصلك الجواب أو تحضري بنفسك لأن المحامين بتوع توفيق العزايزي بيحاولوا يستغلوا الجواب ده عشان يثبتوا إنه غير متزن عقلياً وياخد براءة أو إفراج صحي!
تنهدت بعمق.
كريم.. حتى وهو بين الحيا والموت، لسه بيحاول يسحبني لزاويته المظلمة. لسه عايز يخلق دراما حولين اسمه، ويخليني جزء من استعراضه الأخير.
— أنا مش هسافر القاهرة عشان أشوفه يا ميادة.
ميادة مسكت إيدي:
— ندى.. المحامي بتاع والده بيسعى لإبطال شهادتك القديمة بدعوى إن كريم كان بيعاني من اضطراب نفسي وهوس بيكي، وإن كل اللي عمله كان بسببه، وده ممكن يخفف الأحكام على العزايزي والألفي! أنتِ محتاجة تروحي عشان تحسمي النقطة دي قانونياً وتقفلي الباب ده للأبد.
نظرَت لصور الأكاديمية والبنات اللي بيتدربوا في الصالة. كنت فاكرة إن الفصول المقفولة مش هتتفتح تاني، بس للأسف، عشان القصة تخلص بجد، لازم الشمع الأحمر يتحط برغبتي.
في اليوم التالي، كنت أقف أمام الباب الحديدي لمستشفى سجن طرة بالقرب من القاهرة.
المكان كان يبعث على الكآبة. جدران عالية مرتفعة، أسلاك شائكة، ورائحة مطهرات رخيصة تختلط برطوبة السجون.
استقبلني رئيس المباحث برتبة عقيد، ورجل آخر يقف بجانبه يرتدي بدلة فاخرة.. كان الأستاذ فؤاد، المحامي الشهير لعائلة العزايزي.
المحامي قرب مني بابتسامة صفراء مليانة دهاء:
— أهلاً يا آنسة ندى.. نشكرك إنك جيتي. طبعاً أنتِ عارفة إن موكلي كريم في حالة نفسية وصحية ترحم، وإن كل اللي جرى كان مجرد هوس عاطفي اندفاعي وناتج عن عدم اتزان نفسي.. ونأمل إنك تتفهمي ده في شهادتك للنيابة.
بصيت للمحامي بنظرة خلته يرجع خطوة لورا:
— كريم مش مريض نفسي يا متر.. كريم مجرم وندل ونرجسي. وما تحاولش تلعب كارت المرض النفسي عشان تطلع حيتان المال الحرّام من السجن.. لأن أي خطوة منك في الاتجاه ده، هخلي النيابة تفتح التحقيق في المحاولة دي باعتبارها تمثيلية لهروبه!
المحامي وشه اتغير وسكت تماماً.
دخلت الغرفة المخصصة للمرضى في مستشفى السجن.
كان هناك حارسان يقفان عند الباب. وعلى السرير، كان كريم يرقد.
كان جسده ناهلاً، ووجهه أصفر كالموتى، وعلى معصمه الأيسر لفافة شاش أبيض ضخمة متبقعة بآثار المطهر والدم.
أول ما الباب اتفتح ورفع عينيه وشافني، ألوانه اتغيرت.. وحاول يقعد على السرير بجهد كبير، والسلاسل الحديدية المربوطة في رجله بالسرير طلعت صوت رنين مزعج.
— ندى.. أنتِ جيتي؟ أنا.. أنا ما كنتش مصدق إنك هتيجي..
وقفت عند أطراف السرير، حاطة إيدي في جيوب معطفي، بدون ما أقرب خطوة واحدة زيادة.
— أنا جيت عشان أقفل الباب اللي أنت فاكر إنك لسه بتخبط عليه يا كريم.
كريم بدأ يعيط، دموع نزلت على وشه الذابل، بصوت مكسور خالي من أي مظهر من مظاهر التكبر القديمة:
— ندى.. سامحيني.. أنا كل ليلة جوه الزنزانة دي بشوف وجهك، بشوف الدم اللي اترمى في الزبالة، بشوف عيونك وأنتِ بتقطعي الورق في مكتبي.. أنا ما عرفتش قيمة حياتي إلا لما خسرتك.. أنا فعلاً بحبك!
ضحكت بصوت خافت، ضحكة كلها حسرة على الراجل اللي واقف قدامي:
— أنت مابتحبش حد يا كريم.. أنت حتى مابتحبش نفسك. أنت بتحب اللعبة، بتحب السيطرة. ولما السيطرة ضاعت منك، والشاشات والأضواء اتطفت، والفلوس اللي كانت بتحميك راحت، اكتشفت إنك من غير بابا ومن غير أصحابك الندماء.. ولا حاجة.
كريم مسك اللفافات على إيده بصريخ خافت:
— أنا كنت بموت البارح يا ندى! كنت هموت نفسي عشان أخلص من الذنب!
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بجمود مرعب:
— أنت ما كنتش بتموت نفسك عشان الذنب.. أنت كنت بتعمل شو جديد عشان المحامي بتاعك يستغل المحاولة ويطلعك على مستشفى الأمراض النفسية، وتخلع من السجن! أنت لسه بتمثل.. لسه فاكر إن العالم مسرح وأنت البطل فيه!
كريم اتصدم، عينيه اتوسعت برعب، والدموع اتجمدت في عينيه لما اكتشف إن كذبه الأخير اتكشف بنفس السهولة اللي اتكشفت بيها المقالب القديمة.
شلت من جيبي الجواب اللي كتبه، ورميته على السرير جنبه.




