منوعات

بعد ما اتبرعت، 3

— الجواب ده.. والتمثيلية دي.. هتوصل للنيابة العامة بكرة مع تقرير طبي مستقل من أطباء الشرطة. أنت هتكمل الـ 7 سنين بتوعك هنا يا كريم.. ومش عشان انتقام، عشان ده المكان الوحيد اللي هيعلمك إن بنات الناس مش لعبة في لستة أرقامك.

لفت بظهري ومشيت ناحية الباب.

كريم صرخ ورايا بصوت مبحوح وهستيري:

— ندى!! ما تسيبنيش هنا!! ندى ارجعي!! سارة هي اللي زقتني!! الألفي هو اللي خطط!! أنا كنت مجرد..

فتحت الباب وخرجت، وصوته اتقفل مع حركة الباب الحديدي الثقيل.

خرجت لشوارع القاهرة.

الهواء كان بارد، بس جوايا كان في شعور أخير بالسلام. كان واضح إن كل الخيوط المقطوعة اتربطت، وأن النوايا الخبيثة أكلت بعضها في النهاية.

رجعت المنصورة في نفس الليلة.

قعدت في شباك أوضتي، وبصيت للنيل.

فتحت اللابتوب بتاعي، وفتحت ملف جديد كنت بدأته من فترة، وكتبت فيه العنوان:

**”ندى سالم: الحياة بعد الرقم 100″**

كان ده أول فصل في كتابي الجديد.. كتاب مش بيحكي عن الضحية، ولا عن الانتقام.. بل بيحكي عن المرأة اللي اتعلمت من الوجع إزاي تكون قوية، إزاي تسيب الماضي يتحرق بذنوبه، وتبني حاضرها بيدها الشريفة.

تليفوني رن.

كانت رسالة من إحدى الفتيات في الأكاديمية:

“كابتن ندى.. إحنا جاهزين للعرض السنوي الجديد بكرة، وجميع التذاكر اتباعت. بنستناكي يا أشطر مدربة في الدنيا!”

ابتسمت من قلبي.. ابتسامة حقيقية، خالية من الكذب، وخالية من الموت.

قفلت اللابتوب، ونمت ليلتي دي أنعم بأعمق نوم عرفته في حياتي.

مرت سنتان على ليلة مستشفى سجن طرة، تلك الليلة التي وضعت فيها حداً نهائياً لدراما كريم العزايزي وأوهامه.

خلال هاتين السنتين، تحولت أكاديمية “بداية” في المنصورة من مجرد مشروع صغير لتعليم الرقص التعبيري والفنون إلى مؤسسة ثقافية وفنية لها اسمها ووزنها في الدلتا كلها. لم تعد الأكاديمية مكاناً للتدريب فقط، بل أصبحت ملاذاً لكل فتاة تسعى لاكتشاف ذاتها وإعادة بناء ثقتها بنفسها بعيداً عن أطماع المجتمع وضغوطه.

صدر كتابي **”ندى سالم: الحياة بعد الرقم 100″**، وحقق نجاحاً لم أكن أتوقعه. لم يكن الكتاب مجرد تصفية حسابات أو سردٍ لذكريات مؤلمة، بل كان دليلاً عملياً لكيفية التعافي من العلاقات التسممية والاستغلال، وكيفية النهوض من تحت ركام الخديعة.

في أحد أيام الخريف الدافئة، كنت أجلس في مكتبي بالأكاديمية أراجع جدول العروض القادمة، عندما دخلت سكرتيرة الأكاديمية وناولتنِ ظرفاً أنيقاً ورسمياً يحمل شعار “دار القضاء العالي”.

فتحت الظرف بحذر. كان استدعاءً رسمياً للإدلاء بشهادتي النهائية في قضية “تصفية أموال وممتلكات مجموعة العزايزي والألفي”، وهي الجلسة الإجرائية الأخيرة لإغلاق الملف القضائي تماماً وتقسيم الأصول المستردة لصالح صندوق تحيا مصر ووزارة المالية.

سافرت إلى القاهرة في اليوم التالي. كانت شوارع العاصمة المزدحمة تبدو لي هذه المرة مختلفة؛ لم تعد تلك المدينة التي خنقتني يوماً بلياليها المعتمة ورجالها الجشعين، بل أصبحت مجرد مسرح قديم شهد فصلاً وانتهى.

في قاعة المحكمة، كانت الوجوه قد تغيرت كثيراً. توفيق العزايزي كان يجلس في قفص الاتهام بملابس السجن الزرقاء، وقد أكل المرض والشيب ما تبقى من هيئته الطاووسية. أما سارة الألفي، فكانت تجلس في الزاوية الأخرى، ذابلة العينين، فقدت كل مظاهر البهرجة والغرور التي كانت تتسلح بها قديماً.

حين وُجهت لي الأسئلة من القاضي، أجبت بكل ثبات ووضوح. لم يكن في نبرتي أي غلّ، ولا أي رغبة في الشماتة؛ كانت كلماتي مجرد حقائق مجردة توثق كيف استُغلت أموال الدولة وكيف تم التلاعب بأرواح الناس.

بعد انتهاء الجلسة وصدور الحكم النهائي بالتحفظ التام وإغلاق الشركات نهائياً، خرجت إلى ساحة المحكمة. اقترب مني الأستاذ فؤاد، المحامي القديم لعائلة العزايزي، لكنه هذه المرة لم يكن يحمل تلك الابتسامة الصفراء.

قال بصوت خافت:

— آنسة ندى.. كريم حابب يوصلك إنه بيطلب منك العفو.. هو اتنقل لسجن عمومي تاني، وحالته النفسية مستقرة، بس بيقضي يومه كله بيقرأ كتابك اللي نزلتيه.

نظرت إليه بهدوء وقلت:

— العفو مش عندي يا متر.. العفو عند ربنا. أما أنا، فخرجته من حياتي ومن عقلي من زمان، وبتمنى له يتعلم الدرس بجد المرة دي.

تركت المحامي ومضيت في طريقي. كان هناك شعور غريب يكتنفني.. شعور بأن كل دائرة خبيثة فُتحت في الماضي، قد أُغلقت الآن بأحكام العدالة وقانون الحياة.

### **الجزء السابع (الأخير)**

في مساء اليوم التالي لإغلاق ملف القضية، أُقيم العرض السنوي الكبير لأكاديمية “بداية” على مسرح دار أوبرا أوبرا جامعة المنصورة.

كانت القاعة ممتلئة عن آخرها؛ عائلات، شخصيات عامة، وفنانون جاءوا لمتابعة هذا العرض التعبيري الذي أعددته برفقة فتيات الأكاديمية، والذين أطلقت عليه اسم **”طائر الفينيق: الخروج من الرماد”**.

في الصف الأول، كان يجلس والدي الأستاذ سالم، وعلى وجهه ابتسامة فخر لم أَرها في عينيه منذ سنوات طويلة. بجانبه كانت تجلس ميادة، صديقتي الوفية التي شاركتني كل لحظة انكسار وانتصار.

عندما أُضيئت أضواء المسرح، وبدأت الموسيقى الملحمية تعزف، صعدت الفتيات على المسرح برقصات متناسقة تجسد رحلة السقوط ثم النهوض والتحرر. وفي اللوحة الأخيرة من العرض، صعدت أنا إلى المسرح لمشاركتهن المشهد النهائي.

لم تكن حركاتي مجرد استعراض فني، بل كانت ترجمة حقيقية لكل لحظة ألم، وكل دمعة حبستها، ولكل خطوة خطوتها نحو حريتي وكرامتي.

مع نهاية النغمة الأخيرة، أُضيئت القاعة بالكامل، وانطلق تصفيق الحاضرين كالرعد. وقف الجميع احتراماً وإعجاباً، ووجدت والدي يقف ويدق كفيه بدموع فرح حقيقية.

انحنيت للمظفرين وللجمهور، واستشعرت في تلك اللحظة بالذات أن الاستحقاق الحقيقي لا يأتي من تقييم الآخرين لنا، ولا من أرقام في قوائمهم، بل يأتي من قيمتنا الداخلية ونزاهتنا مع أنفسنا.

بعد انتهاء العرض والاحتفال خلف الكواليس، خرجت وأبي وميادة إلى شاطئ النيل في المنصورة. كانت أنوار المدينة تنعكس على سطح الماء الهادئ.

قال لي والدي وهو يمسك بيدي:

— فخور بيكي يا ندى.. مش بس عشان النجاح، لكن عشان حافظتِ على روحك ونظافتك في وسط عالم كان عايز يلوث كل حاجة حلوة فيكي.

ابتسمت وقبلت يده:

— البركة فيك يا بابا.. أنت اللي علمتني إن الكرامة والحق هما الحجم الحقيقي لأي إنسان.

نظرت إلى السماء الصافية وإلى مياه النيل الممتدة.

لقد انتهت القصة القديمة بكل آلامها وشخوصها المظلمة؛ انتهى زمن الخوف، وزمن التلاعب، وزمن “الرقم 100”.

واليوم، تبدأ قصتي الحقيقية.. قصة امرأة اختارت أن تكون هي البطلة والكاتبة لحياتها، بقلبٍ صلب، وروحٍ حرة، وخطوات لا تعرف التراجع أبداً.

**(تمت القصة)**

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى