
بعد مكالمة أمي، كل حاجة هديت بشكل غريب. حمايا قعد على الكنبة. وأنا قعدت قصاده. مراتي فضلت واقفة بعيد. قولتلها: — تعالي اقعدي. محدش هنا جاي يحاكمك. قالت: — أنا مش عاوزة أرجع. رديت: — وأنا مش هطلب منك ترجعي النهارده. اتصدمت. حتى إخواتي بصوا لي.
كملت:
— إحنا دلوقتي لو رجعنا نفس البيت وإحنا بالحالة دي، أول خناقة جاية ممكن تبقى أسوأ.
حمايا سأل:
— يعني إيه؟ هتطلقها؟
قولت:
— الطلاق مش لعبة تتقال وإحنا متنرفزين. لكن الرجوع كمان مش هيحصل كأن مفيش حاجة حصلت.
بصيت لمراتي:
— أنا عليت صوتي عليكي، وقسوت في كلامي معاكي. حاجات غلط وأنا مش هلف ولا أدور فيهم.
كانت ساكتة.
قولتلها:
— وإنتِ أهنتي أمي وإخواتي، وبعتيلها رسالة عشان توجعيها وهي مالهاش ذنب في خناقتنا.
قالت بصوت أوطى:
— كنت متعصبة.
— وأنا كمان كنت متعصب. بس العصبية مش هتبقى مبرر ليا ولا ليكي.
سكتنا.
وبعدين قلت:
— لو هنكمل، يبقى في شروط علينا إحنا الاتنين.
مراتي رفعت عينيها:
— إيه؟
— أول شرط: تعاملنا دايمًا يكون باحترام مهما حصل.
— والثاني؟
— مفيش تجريح للأهل. لا أمي ولا أبوكي ولا أي حد.
— والثالث؟
اترددت شوية قبل ما أقول:
— وإحنا محتاجين نبني بيتنا بعيد عن تدخل العيلتين. أنا واضح إني كنت بدخل أمي وإخواتي في تفاصيل زيادة.
أخويا الكبير ابتسم وقال:
— دي أول مرة تعترف بالحاجة دي.
بصيتله:
— اسكت إنت.
ضحك حمايا لأول مرة من ساعة ما دخلت.
التوتر خف ثانية.
لكن مراتي ما ضحكتش.
قالت:
— ولو أنا مش قادرة أنسى اللي حصل؟
رديت:
— من حقك.
الجملة فاجأتها.
كملت:
— ومن حقي أنا كمان ما أنساش الرسالة اللي بعتيها لأمي. عشان كده إحنا محتاجين وقت، ومحتاجين حد عاقل يساعدنا نتكلم قبل ما نقرر نكمل أو ننفصل.
حماتي قالت:
— يعني بنتي تفضل هنا؟
قولت:
— طبعًا.
وبعدين بصيت لمراتي وقلت:
— خدي وقتك. ومش هضغط عليكي.
قمت عشان أمشي.
لكن قبل ما أوصل للباب…
هي نادتني:
— استنى.
لفيت.
قالت وهي بتبص في الأرض:
— أمك… عاملة إيه؟
قولتلها:
— زعلانة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— هكلمها.
حمايا قال بسرعة:
— لأ، دلوقتي مش لازم.
لكن مراتي هزت راسها:
— لازم.
طلعت موبايلها.
فتحت الخط.
وأنا واقف عند الباب سمعتها بتقول:
— ألو يا طنط… أنا عارفة إني آخر واحدة حضرتك حابة تسمعي صوتها دلوقتي…
وسكتت.
وبعدين بدأت تعيط.
— بس أنا غلطت فيكي… وإنتِ ما عملتيليش حاجة.
ما سمعتش أمي قالت إيه.
لكن شفت وش مراتي يتغير.
وبعد حوالي دقيقة قالت:
— حاضر… ربنا يخليكي.
وقفلت.
سألتها:
— قالتلك إيه؟
مسحت دموعها وقالت:
— قالتلي: “أنا زعلانة منك، بس لو عاوزة تسيبي ابني سيبيه باحترام… ولو عاوزة تكملي معاه، كمّلوا من غير ما تدخلونا في حربكم.”
أخويا الكبير قال:
— ست عظيمة والله.
بصيتله:
— دي أمي.
لكن المفاجأة الحقيقية…
إن حمايا بعدها قام من مكانه وقال:
— استنى يا ابني.
بصيتله.
قال:
— أنا كمان غلطت لما قلت كلام مش مناسب.
وبص ناحية بنته:
— وإحنا لو هنطلب منه يحترمك، يبقى لازم إحنا كمان نحترمه.
كانت أول مرة أحس إن الحرب بدأت تطفي.
عدّى شهر كامل.
مراتي فضلت عند أهلها أول أسبوعين.
ما ضغطتش عليها.
ولا روحت أخدها بالعافية.
كنا بنتكلم كل يومين تقريبًا.
أوقات المكالمة كانت خمس دقايق.
وأوقات كانت ساعة كاملة.
ولأول مرة من سنين، بدأنا نتكلم عن المشاكل القديمة بدل ما نتخانق على آخر مشكلة بس.
قالتلي في مرة:
— أنا فعلًا كنت حاسة إنك متجوز أمك وإخواتك معايا.
قولتلها:
— وأنا كنت فاكر إن اهتمامي بأمي واجب، وما كنتش واخد بالي إني ساعات بخلي رأيها يدخل بينا زيادة.
قالت:
— بس أنا كمان كنت بقصد أوجعك بأمك لما بنتخانق.
— وده لازم يقف.
— عارفة.
وأنا كمان بدأت أفهم حاجة مهمة.
إن الدفاع عن أمي ما يكونش بالقسوة ولا الإهانة.
وإن الرجولة مش في إن صوتي يبقى أعلى، بل في إن الواحد يعرف يوقف نفسه وهو في أقصى غضبه.
بعد أسبوعين، اتقابلنا في مكان عام.
هي جات لوحدها.
وأنا جيت لوحدي.
من غير أهل.
قعدنا قدام بعض.
قولتلها:
— قررتي؟
قالت:
— عاوزة أجرب نكمل.
قلبي دق بسرعة.
لكنها رفعت إيدها وقالت:
— استنى… عندي شرط.
— قولي.
— لو أسأت لي مرة تانية، أنا همشي ومش هرجع.
هزيت راسي:
— حقك.
قولتلها:
— وأنا عندي شرط.
— إيه؟
— أمي وأهلك يبقوا خط أحمر في خناقاتنا. اللي بيني وبينك يفضل بيني وبينك.
قالت:
— موافقة.
رجعت البيت بعدها بأيام.
وأول زيارة عملناها كانت لأمي.
كنت خايف من اللحظة.
دخلنا.
أمي فتحت الباب.
مراتي كانت واقفة ورايا ومتوترة.
قالت:
— إزيك يا طنط؟
أمي بصتلها كام ثانية.
وبعدين قالت:
— ادخلي يا بنتي.
مراتي انفجرت في العياط.
حضنت أمي وقالت:
— أنا آسفة.
أمي ردت:
— خلاص. أنا سامحتك… بس أوعي تعايري راجل بأمه تاني. الأم اللي تربي ولادها لوحدها مش عيب.
مراتي هزت راسها.
وأنا كنت واقف بتفرج عليهم.
فأمي بصتلي وقالت:
— وإنت ما تبقاش واقف فرحان كده. إنت كمان غلطان.
الكل ضحك.
حتى مراتي.
ولأول مرة من يوم الخناقة، حسيت إن البيت ممكن يتبني من جديد.
مش لأننا نسينا اللي حصل.
لكن لأن كل واحد فينا اعترف بغلطه.
وأنا اتعلمت درس ما نسيتهوش بعدها:
الكرامة ما بتتحفظش بالإهانة.
والأهل ما يتدافعش عنهم بالغضب الأعمى.
والجواز اللي كل خناقة فيه تتحول لمعركة بين عيلتين…
هيخسر فيه الكل.
أما إحنا؟
فاخترنا نبدأ من جديد.
بس المرة دي…
بقواعد مختلفة.
عدّت سنة.
سنة كاملة من غير إهانة، ومن غير ما هي تجيب سيرة أمي في أي خناقة.
ما بقيناش مثاليين.
لسه بنختلف.
لسه ساعات صوتنا بيعلى.



