
عمتي ميرفت غضبت تماماً في عزومة أول يوم رمضان لما عرفت إني حامل، وفضلت تزعق وتهزأ فيّا قدام العيلة كلها وكأني عملت خطأ كبير. حاولت أبلعها وأسكت، بس لما زادت فيها وعدّت كل حدود الأدب، طلعت السر اللي فضلت سنين مستموتة عشان محدش يعرفه أبداً…
مكنش عدى عشر دقايق على قعدتنا على سفرة الفطار، ولسه بنسمي الله، لقيت عمتي ميرفت بتشاور عليا بكوباية الخشاف وتقول بصوت عالي قدام الكل حملك ده أغبى قرار حد خده في العيلة دي من سنين!
السفرة كلها سكتت تماماً، الشوك والمعالق وقفت في الهوا، وجوزي طارق حط المعلقة من إيده براحة وهو مصدوم، وأمي فضلت تبص لأختها ميرفت ومستنياها تضحك وتقول إنها بتهزر هزار تقيل كالعادة.
أنا عندي تسعة وعشرين سنة، متجوزة بالطريقة الشرعية، وشغالة أخصائية اجتماعية في مدرسة، وحامل في الشهر الخامس بعد سنة كاملة من الدكاترة والمحاولات أنا وطارق… يعني مفيش أي حاجة عيب ولا غلط في الموضوع!
عمتي ميرفت عارفة كل ده كويس، ومع ذلك رجعت ضهرها لورا ببرود وقالت إننا مش لاقيين نسد أقساط الشقة والجمعيات، وإن العيال بتخرب البيوت وبتطلّق، وإني أنانية ومستنية الكل يفرحلي بحاجة هتكون همّ على العيلة بعدين.
أمي زعقت فيها وقالتلها اقفلي بؤك يا ميرفت وعيب كده!، بس هي صوتها علي أكتر وبقت تصرخ وتقول إن محدش بيعرف يقولي كلمة لأني حبيبة قلبهم الحساسة الدلوعة. وفجأة بصت لطارق جوزي في عينه وقالتله وأنت متأكد بقى يا حبة عيني إن الواد ده ابنك؟
هنا أخويا الصغير إسلام قام وقف فجأة لدرجة إن الكرسي رجع لورا وصوته رزع في البلاط. طارق مسك إيدي جامد تحت السفرة وقالها بصوت واطي ومكتوم انتي عديتي حدودك يا طنط ومش هسمحلك. ميرفت ضحكت باستهزاء وقالتله بكرة تفتكر كلامي لما تلاقي نفسك بتلف على المحاكم وتدفع نفقة!
ستّي كريمة، اللي عازمانا كلنا في بيتها الكبير في المنصورة، خبطت على السفرة وقالت لميرفت لو مش هتحترمي السفرة اللي قاعدة عليها وتلمي لسانك، اتفضلي قومي البسي عبايتك وروحي!… المفروض القعدة كانت تخلص هنا، بس ميرفت قامت رزع الكوباية على السفرة وزعقت وقالت طول عمركم بتعاملوها كأنها الشيخة الشريفة، وأنا اللي بلم ورا قرفكم كلكم!
في اللحظة دي بالذات، طق في نفوخي عِرق ومقدرتش أمسك نفسي خلاص.
بقالي تمن شهور شايلة سر لو طلع كان كفيل يدفنها مكانها ويفضح المستخبي اللي محدش يتخيله، سر أكبر بكتير من حملي ولا كلامها الرخيص. كنت ساكتة عشان خاطر ستّي اللي عينيها على بناتها، وعشان أمي اللي حلفتني مراعي صلة الرحم ومخربش البيت، وعشان ميرفت نفسها فضلت تبوس على راسي وتحلف إنها هتصلح الكارثة دي قبل ما حد يشم خبر.
بصيتلها في عينها من أول السفرة لآخرها، والدم بيغلي في عروقي، بس نطقت بكل برود الدنيا وقولت بما إنك مهتمة أوي بالشرف والفضايح في العيلة دي، وبتقولي إنك بتلمي ورانا… ما تقولي للكل كده على اللي حصل في البنك الشتا اللي فات؟
وش ميرفت اتقلب جير في ثانية، وألوانه كلها هربت.
الصمت نزل على الأوضة أتقل من الأول، الشوكة وقعت من إيد أمي ورنت على الطبق، وميرفت عنيها وسعت برعب مكنتش شفته فيها قبل كده… رعب واحدة اتكشفت وعارفة إن خلاص، الفاس وقعت في الراس.
ستّي لفت وشها براحة لميرفت، والشك مالي ملامحها، وسألتها بصوت خلى شعر جسم الكل يقف:
بنك إيه يا ميرفت… وإيه اللي حصل هناك من ورايا؟
الهوا في الصالة كأنه اتسحب فجأة بمحقان، وبقى تقيل وخانق لدرجة إن ريحة المحشي والبط اللي كانت قالية الشقة بقت غريبة ومش مبلوعة. مفيش غير صوت تكّة عقرب الساعة القديمة المعلقة فوق النيش، صوت منتظم ومستفز، بيعد الثواني اللي كل واحد فينا كان حابس فيها نفسه.
ميرفت فضلت متصلبة في مكانها، عينيها رايحة جاية بيني وبين ستّي، وشفايفها كانت بترتعش ارتعاشة خفيفة مكنتش قادرة تداريها حتى وهي بتحاول تبلع ريقها اللي نشف في ثانية. الشرايين في رقبتها برزت، وتلك السيطرة والجعجعة اللي كانت داخلة بيهم العزومة ساحوا وتبخروا كأنهم ما كانوش.
ستّي كريمة مكررتش السؤال بالصوت العالي، هي طريقتها كده لما تكون المصيبة واصلة للذروة؛ صوتها يهدى ويوطى ويبقى أخطر من أي زعيق. فضلت باصة لميرفت بعينين حادتين زي صقر عجوز، وسندت كفوفها الاتنين على مفرش السفرة المشغول بالخرز، وضهرها اللي محني شوية من سنين التعب اتفرد فجأة.
أنا بسألك يا ميرفت… ستّي قالتها بنبرة تقيلة تقطع النفس، بنك إيه؟ وإيه اللي يوديكي هناك أصلاً من غير علمي؟
أمي سمر حطت إيدها على صدرها كأنها بتكتم دقات قلبها، وبصتلي بعينين مليانة توسل ورعب، وشفايفها بتتحرك من غير صوت كأنها بتقولي اسكتي يا ندى.. بلاش خراب بيوت يا بنتي. أمي طول عمرها كده، تبلع الإهانة وتدوس على كرامتها وكرامة ولادها عشان جملة المهم نلم الشمل ومنفضّحش نفسنا قدام الناس. بس خلاص، الكيل طفح، والمية غلت وكسرت الغطا.



