
سكتت الصالة كلها، وبقت نار هادية دافية بدل ما كانت حامية، واللمة اللي بدأت بفرحة أول يوم رمضان اتحولت لجلسة مصارحة ومكاشفة بين ناس دمهم من دم واحد. ميرفت كانت قاعدة مكسورة الخاطر ساندة ضهرها على النيش، وعبايتها متبهدلة، والدموع في عيونها بدل الخوف بقت ندم حقيقي على اللي اتعوج من طريقها.
ستّي كريمة مدت إيدها الطاهرة، مسكت ذراع بنتها بحنان الأمهات اللي بينسى الزعل مهما كبر، وقالت بصوتها الهادي اللي فيه عبرة السنين: “يا بنتي، العمر مش مستاهل.. الغلط مردود، بس اللي يكسر قلوب أهله بيخسر أكتر بكتير من الفلوس.”
أمي سمر قربت وحضنت أختها بحرقة، وقالت وهي بتعيط: “ليه مخبيتيش عننا يا ميرفت؟ هو إحنا غريبين ولا مكنش سندك وضهرك موجودين؟”
إسلام نزل على دبابيسه وقعد جنب عمتو، مسك إيدها وهداها بصوت عاقل: “خلاص يا عمتي، اللي حصل حصل، والمهم إننا مع بعض ونقدر نحل أي مشكلة بالحلال وبالتفاهم.”
طارق جوزي هز راسه بتأييد وقال: “كل حاجة ليها حل، والمهم إن الود يرجع والبيت ده يفضل مفتوح بالخير.”
أنا بصيت لميرفت وأنا حاطة إيدي على بطني، وحسيت بقلبي بيحن، وقولت بصوت صافي: “يا عمتي، أنا مش عدوتك، والله العظيم ما كان قصدي أفضحك، بس كنت خايفة على تعب ستّي وعلى بيوتنا تتأثر.. وحقك علي لو قسيت في الكلمة.”
ميرفت رفعت عيونها المحمرة، وقالت بصوت مخنوق من البكاء: “غصب عني يا ندى.. كنت ضايعة والدنيا سودا في وشي، وكنت فاكرة إني كده بحل مشكلة، بس لقيت نفسي بخرب بيتي بنفسي.. سامحوني.”
ستّي كريمة طبطبت عليها وقالت: “مسامحينك يا ميرفت، بس عهد علينا نصلح الغلط بالحلال، من غير محاكم ولا عداوة، فلوسنا رجوعها سهل، لكن صلة الرحم لو اقطعت ملهاش تمن.”
الجو في الصالة هدي تماماً، وكل الشد والجذب اتقلب لرحمة ومحبة. مدفع رمضان ضرب برة، وجوامع المنصورة نادت بنداء المغرب الأخير: “الله أكبر، لا إله إلا الله.”
قعدنا كلنا حوالين السفرة على مية بيضا وتمر، وكل واحد فينا حاسس براحة غريبة كأن هم كبير ارفع من فوق كتوفنا. أكلنا وشربنا، والقلوب صفت، وبقينا عارفين إن العيلة الحقيقية هي اللي بتقف جنب بعض في الشدة قبل الرخاء، وإن بكرة دايماً أحلى طول ما القلوب نظيفة وراضية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



