منوعات

حكايات ميرا2

الجزء الثالث

هبطت الطائرة على مدرج مطار القاهرة الدولي، وتوقفت في منطقة معزولة بعيدًا عن صالة الوصول العادية. كانت سيارات الشرطة تحيط بالمكان، وأضواؤها الحمراء والزرقاء تنعكس على نوافذ الطائرة.

مقالات ذات صلة

عمّ الاضطراب بين الركاب. سارة تحركت في مقعدها بارتباك ظاهر، ونظرت لأحمد بوجه شاحب:

— أحمد… هي الشرطة دي مستنيانا إحنا؟ إنت مش قلت لي إن البلاغ هنعمله بعد ما ننزل؟

أحمد لم يرد. كان يجلس في صمت تام وعيناه معلقتان على مريم التي كانت تقف عند باب الطائرة المفتوح بثبات، تتحدث مع أحد ضباط الأمن العام الذين صعدوا فورًا برفقة الكابتن نبيل.

أشار الضابط باتجاه الصف رقم 8.

تقدم رجلان من رجال المباحث فورًا.

— الأستاذ أحمد متولي، والأنسة سارة محمود؟ مطلوبين فورًا لمعاينة ومطابقة متعلقات.

انهارت تمثيلية الثقة التي كانت ترتديها سارة. صرخت بصوت مرتفع وهي تقوم من مكانها:

— فيه إيه؟ إحنا مسافرين عادي! لو فيه مشكلة فهي عند المضيفة دي! افتشوا الشنطة الزرقا اللي في خزانة الطاقم! الشنطة دي فيها أوراق  وتزوير تخص المؤسسة! هي اللي !

التفت الضابط نحو مريم بنظرة تساؤل.

ابتسمت مريم ببرود، ومشيت بثبات نحو الخزانة الخلفية. سحبت الشنطة الزرقاء وأحضرتها أمام الضابط والركاب المندهشين.

— اتفضل يا فندم… الأنسة سارة بتقول إن الشنطة فيها أوراق اختلاس وتزوير تخصها. ممكن حضرتك تفتحها وتشوف بنفسك.

فتح الضابط الشنطة الزرقاء أمام الجميع، وسحب ما بداخلها.

لم تكن هناك أي أوراق رسمية، ولا إيصالات، ولا الفلاشة الفضية. كل ما كان داخل الشنطة هو كراسة تعليمات السلامة الخاصة بركاب الطائرة، وبعض أدوات التجميل الشخصية لمريم!

شحبت سارة تمامًا. تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تمسك برأسها:

— مستحيل! أنا حطيت الظرف بنفسي! أنا فتحت الشنطة وحطيته بايدي!

صرخ أحمد بغضب مكتوم وهو يلتفت إليها:

— اسكتي يا غبية! اعترفتي على نفسك!

التفت الضابط فورًا إلى سارة:

— يعني إنتي المقرة دلوقتي إنك فتحتي خزانة الطاقم المعزولة وزرعتي أوراق بدون وجه حق؟

ساد الصمت الطائرة. صدمة الركاب كانت واضحة، وأحمد أغلق عينيه بيأس بعد أن أدرك أن سارة وقعت في الفخ الذي نصبته بنفسها.

أخرجت مريم هاتفها المحمول، وقدمته للضابط:

— وده فيديو متسجل بالوقت والتاريخ بيوضح الأنسة سارة وهي بتتسلل لخزانة الطاقم وتزرع الظرف الأصفر في شنطتي. وأنا أخدت الظرف الأصلي وسلمته للكابتن نبيل في كابينة القيادة قبل الهبوط، وهو حاليًا مع أمن المطار.

نظر الضابط إلى أحمد وسارة بنظرة حازمة:

— اتفضلوا معانا من غير شوشرة.

بينما كان رجال الأمن يقتادون أحمد وسارة للخروج من الطائرة، مرت سارة بجانب مريم. كانت عيناها تفيضان بالغل والدموع:

— فاكرة إنك كسبتي يا مريم؟ الأوراق دي مش هي كل حاجة… فيه حاجات تانية إنتي ما تعرفيهاش. الفرح اللي كنتِ بتحلمي بيه هيتحول لكابوس على عيلتك كلها!

أحمد نظر لمريم بنظرة انكسار، وحاول الحديث:

— مريم… أرجوكي اسمعيني، أنا اتلعب بيا… سارة هي اللي…

لم تتركه مريم يكمل الجملة. رفعت رأسها وقالت بجمود:

— كلامك مع النيابة يا أحمد.

تم اصطحابهما إلى سيارات الشرطة.

نزلت مريم من الطائرة بعد انتهاء إجراءات المحضر المبدئي. كانت الشمس قد أشرقت بالكامل. استقلت سيارة أُجصرة وتوجهت مباشرة إلى منزل عائلتها.

عندما فتحت الباب، كانت والدتها تستقبلها بابتسامة عريضة والزينة تملأ البيت استعدادًا للفرح بعد ثلاثة أيام.

— مريم حبيبتي! حمد الله على السلامة! كنتِ بتقولي عندك شغل… أحمد اتصل ببابا من ساعة وكان بيسأل عن أوراق شقتكم القديمة!

تجمدت مريم في مكانها.

— أوراق الشقة؟ أحمد طلب أوراق  ليه يا بابا؟

خرج والدها من الغرفة ومعه ملف أوراق عقارية:

— أحمد قال لي إن المحامي محتاجها عشان ينهي إجراءات تسجيل  باسمكم قبل الفرح… وأنا أديت المحامي بتاعه النسخ الأصلية النهاردة الصبح.

سقطت الحقيبة من يد مريم.

فهمت في تلك اللحظة الجملة الأخير التي قالتها سارة قبل خروجها من الطائرة. الخيانة لم تكن تزوير أوراق المؤسسة فقط… أحمد كان قد وضع يده بالفعل على ممتلكات عائلتها وبيتها قبل أن يتم  عليه!

الجزء الرابع

شحبت ملامح مريم وهي تنظر إلى والديها، الصدمة جعلت الهواء يتجمد في حلقها. والدها كان يبتسم ببراءة، غير مدرك أن الأوراق التي سلمها لم تكن سوى الجزء الثاني من كابوس خطط له أحمد وسارة بدقة طوال أشهر.

— بابا… المحامي ده أخد الأوراق وامتى بالضبط؟

سألها والدها باستغراب من نبرتها المشدودة:

— من ساعتين يا مريم.. جه أخد صور العقود وأصول توكيلات الشقة القديمة وتوكيل أرض المحلة اللي باسمك عشان يخلص إجراءات الشهر العقاري زي ما أحمد فهمنا. في إيه يا بنتي؟ ومال وشك أصفر كده؟

لم تحتمل مريم كتمان السر أكثر. جلست على أقرب مقعد، وبصوت مرتعش لكنه يحمل صلابة الكارثة، حكت لوالديها كل ما حدث على ارتفاع 9 آلاف متر. من لحظة رؤية أحمد وسارة، إلى محاولة تلفيق قضية الاختلاس، وصولاً إلى القبض عليهما في المطار.

سقطت الصينية من يد والدتها، بينما جلس والدها واضعًا يديه على رأسه غير مصدق أن الشاب الذي أئتمنه على ابنته بيته وشرفه كان ينصب شبكة من الغدر تحت أقدامهم.

— يعني… الأرض والشقة يروحوا مننا؟ والواد ده يدبسنا في قضايا؟

قالها الوالد بصوت مكسور.

قامت مريم وأمسكت بيد والدها بثبات:

— مفيش حاجة هتروح يا بابا. أحمد وسارة محبوسين حاليًا في النيابة على ذمة قضية الأموال العامة، بس المحامي بتاعه طليق، ومعاه الأوراق. لو لحق يسجل التوكيلات أو ينقل الملكية قبل ما نقدم بلاغ رسمي بالتدليس، هنسحل في المحاكم سنين.

أخرجت مريم هاتفها واتصلت فورًا بالكابتن نبيل، الذي كان يتابع التحقيقات الأولية مع مباحث المطار.

— كابتن نبيل، أنا أسفة إني بطلب مساعدتك تاني، بس الموضوع كبر… أحمد كان واخد توكيلات وأوراق ملكية من بابا عن طريق محامي نصاب، والأوراق دي مع المحامي حاليًا وممكن يزورها أو يبيع الأملاك خلال ساعات.

رد الكابتن نبيل بحسم:

— اهدئي يا مريم. رئيس نيابة الأموال العامة لسه بيحقق مع أحمد وسارة في مقر النيابة بالقاهرة. أنا هبلغ المستشار القانوني للشركة، وتعالي فورًا على سراي النيابة ومعاكي والدك.

خلال ساعة واحدة، كانت مريم ووالدها يقفان في أروقة النيابة العامة. الجو كان مشحونًا بالتوتر. دخلت مريم إلى مكتب وكيل النيابة، لتجد أحمد وسارة يجلسان والكلابشات في أيديهما، وحولهما الحراس.

كانت سارة تنظر إلى الأرض بانهيار تام بعد أن واجهتها النيابة بفيديوهات مريم وتفريغ أدلة الفلاشة المالية، بينما كان أحمد يحاول أن يبدو مظلومًا أمام وكيل النيابة:

— يا فندم أنا ماليش دعوة بالورق اللي في الشنطة! سارة هي اللي ورطتني، وأنا كنت فاكر إن الأوراق دي مجرد استشارات هندسية!

هنا رفعت مريم رأسها وتقدمت بخطوات واثقة، وأخرجت من حقيبتها سجل مكالمات وهاتفها الشخصي:

— سيادة وكيل النيابة… المتهم أحمد متولي ما اكتفاش بالاشتراك في  أموال المؤسسة مع المتهمة سارة محمود محاولة تلفيق الجريمة ليا على الطيارة. المتهم كمان استغل فترة خطوبتنا وخد أوراق ملكية وأصول توكيلات تخص والدي وتخصني عن طريق محامي اسمه “سامح”. وهو حاليًا بيحاول ينقل الملكية للتغطية على الديون الصادرة ضد شركته!

التفت وكيل النيابة نحو أحمد بنظرة حادة:

— الكلام ده مظبوط؟

ت لعثم أحمد وسكت تمامًا، وتغير لون وجهه إلى الاصطناع والخوف.

في هذه اللحظة، فتح باب المكتب ودخل ضابط مباحث بصحبته رجل يحمل حقيبة جلدية سوداء… كان هو المحامي “سامح”!

قال الضابط لوكيل النيابة:

— يا فندم، ضبطنا المحامي ده وهو بيحاول يقدم التوكيلات والأوراق المزورة في مجمع المحاكم عشان ينقل ملكية أرض المحلة باسم شركة وهمية مملوكة للمتهمة سارة محمود!

صرخت سارة وهي تنظر لأحمد:

— إنت اللي قلت لي نعمل كده! إنت اللي قلت نأمن نفسنا بالفلوس دي لو قضية المؤسسة اتكشفت!

أحمد صرخ فيها بالمقابل:

— انكمشي يا غبية! إنتي اللي ورطتينا في كل حاجة!

وقف وكيل النيابة وضغط على الزر الاستدعاء، ثم وجه كلامه لكاتب الجلسة:

— يثبت في المحضر: ضم بلاغ التزوير والاستيلاء على أموال الغير إلى القضية رقم 4012 أموال عامة، وحبس المتهم الأول أحمد متولي والمتهمة الثانية سارة محمود والمتهم الثالث سامح عبد السلام أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد.

تم سحب الثلاثة خارج المكتب وهم يصرخون ويتبادلون  والشتائم، بينما كانت الكلبشات تضغط على أيديهم.

نظرت مريم إلى أحمد وهو يمر بجانبها مكسورًا ومطرودًا من حياتها للأبد. لم تكن في عينيها قطرة دموع واحدة، بل كانت نظرة استرداد للكرامة والشرف.

أعاد الضابط العقود والأوراق الأصلية إلى والد مريم، الذي احتضن ابنته وهو يبكي من الفرحة والارتياح.

خرجت مريم من مبنى النيابة، وكانت الشمس تغرب في السماء. تبقى على موعد الفرح الملغى يومان فقط. لكن بدلاً من الحزن على الفستان الأبيض والزفاف الذي انهار، كانت تشعر براحة لم تذقها من قبل.

أخرجت هاتفها، وفتحت المجمعة الخاصة بالعائلة على تطبيق الواتساب، وأرسلت رسالة واحدة كانت كفيلة بإشعال الدنيا قبل 48 ساعة من الموعد المحدد:

«لكل عيلتي وأصحابي… مفيش فرح بعد بكره. بس فيه عزومة كبيرة جدًا في بيت بابا… عشان نحتفل بنجاتي من أكبر عصابة  .»

الجزء الخامس والأخير

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى