
الجزء الخامس
وقف ابني في الصالة والورقة الرسمية في إيده بتهتز، وشه اتقلب أصفر وزي ما يكون الدم اتقطع من عروقه. مراته جرت عليه وهي مرعوبة، مسكت إيده وقالت بصوت بترتعد فيه النبرة:
“في إيه يا فلان؟! ورقة إيه دي؟! بابا وأخويا عملوا إيه تاني؟!”
ابني بص للورقة ورجع بص للعروسة بنظرة مليانة حسرة وذهول، وقال بصوت متقطع:
“دعوى تبديد منقولات زوجية ومؤخر صداق… ومحضر في القسم بتهمة التعامل بقسوة والاحتجاز والاستيلاء على أجهزة كهربائية!”
الكلمات نزلت عليا وعليها زي القنبلة! مراته صرخت وحطت إيدها على بقها مش مصدقة:
“تعامل بقسوة واحتجاز؟! وإزاي تبديد منقولات وأنا قاعدة في بيتك وعفشي كله في شقتي تحت إيدي ورجلي؟!”
قربت من ابني وأخدت منه الورقة، قريت فيها اسم والدها واسم المحامي، والمكتوب كان تلاعب صريح وادعاء باطل بيتقال فيه إن البنت مطرودة من بيتها ومجردة من كل حقوقها وإن ابني استولى على قائمة المنقولات بالقوة والتهديد!
بصيت لابني وقلت بثبات رغم النار اللي كانت شاعلة جوايا:
“اهدوا يا ولاد… الغدر لما بيبدأ مبيقفش عند حد، وأبوها وأخوها بعد الفضيحة والأوراق اللي اتقطعت، حسوا إنهم اتكسروا، وحبوا يلووا ذراعنا بالقانون ويكسبوا أي قرش أو يجبروك ترجع الشروط القديمة بس بطريقة أخبث!”
مرات ابني انهارت من البكاء وقعدت على الأرض وهي بتقول:
“أنا السبب… أنا اللي فتحت الباب للمشاكل دي كلها من الأول! والله ما هسكت لهم يا ماما، أنا هروح معاك القسم وهشهد قدام وكيل النيابة والقاضي إن كل ده كذب، وإن هما اللي حبسوني وسرقوك!”
ابني وطى رفعتها من الأرض وطبطب عليها وقالها بنبرة هادية وبترعب من كثر الصلابة اللي فيها:
“انتي مش هتروحي في حتة ولا هتدخلي أقسام، كفاية اللي شوفتيه. المحضر والدعوى دول هيردوا في وشهم، والقانون مبيحميش النصابين والمزورين.”
في ساعتها اتصلنا بالمحامي بتاعنا، جه الشقة وقعد قرا الورق واطلع على تفاصيل الموضوع كله. المحامي ابتسم ابتسامة هادية وقال:
“القضية دي كسبانة من قبل ما تبدأ، بس هتحتاج نقطة حاسمة واحدة تهدم كل ادعاءاتهم في النيابة وتثبت إن الدعوى دي كيدية بتستغل القانون لمآرب شخصية.”
ابني سأله: “نقطة إيه يا متر؟”
المحامي بص لمرات ابني وقال:
“لازم نعمل معاينة رسمية للشقة من المحكمة تثبت إن المنقولات كاملة وموجودة بحوزة الزوجة في بيت الزوجية، ولازم الزوجة تروح بنفسها أمام وكيل النيابة لعمل إقرار رسمي وتنفي كل ادعاءات والدها وأخوها، وتطلب حفظ المحضر.”
العروسة وقفت بثبات وقالت للمحامي:
“أنا جاهزة أروح في أي وقت، ومستعدة أواجههم قدام النيابة كلها.”
عدى يومين، وفي يوم الجلسة وإدلاء الأقوال في النيابة… دخلنا كلنا المبنى. كان والدها وأخوها واقفين مع المحامي بتاعهم في الطرقة، ووشوشهم مليانة غل وتحدي، فاكرين إننا هنخاف من سيرة النيابة والمحاكم وهنيجي نترجاهم نتصالح ونكتب اللي عايزينه.
أول ما أبوها شاف بنته داخلة ماسكة في إيد ابني، اتفاجأ ووشه اتغير، وقرب منها وقال بغضب:
“انتي جاية تعملي إيه هنا؟! جاية تقفي مع اللي أهانوا أهلك ضد أبويك؟!”
وقف ابني في النص بينه وبينها بكل طوله، وقال بصوت جاد وهادي:
“هي جاية تقف مع الحق ومع بيتها يا عمي… الحق اللي انتوا بعتوه عشان شوية فلوس ورغبة في الانتقام.”
أخوها اتعصب وكان هيتمد إيده، بس أفراد الأمن اتدخلوا ومنعوه، وطلب وكيل النيابة دخول الجميع.
جوه المكتب… قعد وكيل النيابة وبدأ يقرأ العريضة وسأل والد العروسة:
“أنت متهيب في محضرك إن زوج بنتك طردها واستولى على المنقولات وتعامل معها بقسوة؟”
والدها رد بثقة مزيفة: “أيوه يا فندم، وطردها بشنطة هدومها وما سابهاش تاخد حتى أكلها ولا هدومها!”
وهنا، بص وكيل النيابة لمرات ابني وسألها:
“أنتِ الزوجة… إيه ردك على كلام والدك؟ هل جوزك طردك أو استولى على عفشك أو تعامل معكِ بقسوة؟”
مرات ابني وقفت بثبات، وبصت لأبوها بنظرة ألم لكنها مليانة شجاعة، وقالت بصوت واضح سمع الكل:
“كل الكلام ده كذب ويا فندم ومحصلش منه حرف واحد! أنا عايشة مع جوزي في بيتنا بكرامة واحترام، والعفش والمنقولات كلها تحت إيدي وفي شقتي، وأبويا وأخويا هما اللي ادعوا ده زور عشان ينتقموا من جوزي بعد ما كشفنا محاولة تلاعبهم بإيصالات أمانة باسمه!”
الوكيل اتعدل في قعدته وبص لأبوها بغضب وشك، وسألها تاني: “عندك إثبات على كلامك ده؟”
طلعت العروسة من شنطتها تسجيل صوتي وفلاشة كانت أخدتها من تليفون جارتها يوم ما اتصلت بينا وهي محبوسة، والتسجيل كان فيه صوت أخوها وأبوها وهما بيعترفوا بتمزيق الأوراق المزورة وبيتعاملوا معها بقسوة ويحبسوها في الأوضة!
الصالون المرة دي كان مكتب النيابة… وساد فيه صمت يقطع النفس! وكيل النيابة سمع التسجيل، ووشه بقى زي الليل، وبص لوالدها ولأخوها وقال بصوت هز الأوضة:
“بقى جايين تقدموا بلاغ كاذب وتستغلوا النيابة عشان تصفيات عائلية وتلاعب?!”
أبوها اتلعثم ورجليه مكانتش شايلتُه، وأخوها اصفرّ وبدأ يرشح عرق من الخوف.
وكيل النيابة أمر فوراً بحفظ المحضر الكاذب، وتحويل البلاغ ضد والد العروسة وأخوها بتهمة تقديم بلاغ كاذب واحتجاز مواطنة بدون وجه حق!
خرجنا من مكتب النيابة، وأبوها وأخوها واقفين مكسورين ومش عارفين يهربوا فين من الفضيحة والعواقب القانونية اللي كانت مستنياهم.
رجعنا بيتنا، والحمد لله الهدوء بدأ يرجع لبيتنا وشقة ابني، والعروسة بقت أقرب ليا من بنتي، وعرفت قيمة البيت اللي بيصونها ويحميها.
لكن بعد مرور شهرين كاملين من الاستقرار… وفي الوقت اللي كنا فاكرين فيه إن كل حاجة انتهت والأزمة اتقتلت تماماً…
سمعنا باب العمارة بيتخبط خبط شديد ومستمر في ساعة متاخرة من الليل، ولما ابني نزل يشوف مين… وجد شخص غريب واقف ومعاه شنطة سمر كبيرة، وقاله بنبرة جادة وصادمة:
“أنا جاي أدور على الست اللي ساكنة هنا… لأني شايل أمانة وسر قديم من عشر سنين يخص عيلتها، ولازم ينفتح الليلة دي قدامكم كلكم!”




