روايات وقصص

لما عرفت إن أهل مرات3

الجزء السادس (قبل الأخير)

وقف ابني على الباب والذهول شال تفكيره. الراجل الغريب كان واثق من نفسه، ماسك الشنطة في إيده بعناية، وعينيه بتتفحص وشه. ابني حاول يربط بين اللي بيحصل وبين المصايب اللي عديناها، بس مكنش قادر يستوعب مين ده وإيه السر القديم اللي بقاله عشر سنين!

ابني قاله بصوت حذر وهادي:

“مين حضرتك؟ وأمانة إيه دي اللي تخص مراتي وتخليك تيجي في وقت زي ده؟”

الراجل اتنفس ببطء وقال:

“أنا اسمي عماد… كنت المحامي القديم بتاع المرحوم عم مراتك، اللي توفى من عشر سنين. قبل ما يموت بأيام، كتب وصية وأمانة خاصة، ووصاني إني ما أظهرهاش ولا أسلمها غير لما البنت تتجوز وتستقر، أو لما يتعرض بيتها لظلم كبير من أهلها… وأنا متابع اللي حصل معاك ومعاها الفترة اللي فاتت وعرفت إن الأوان جه.”

ابني شاور له يدخل، ونزل ناداني ونادى مراته. طلعنا كلنا وقعدنا في الصالة، والهدوء كان سيد المكان. العروسة كانت باصة للراجل الغريب بدهشة، ومش فاكرة ملامحه أصلًا لأنها كانت صغيرة لما عمها توفى.

الأستاذ عماد فتح الشنطة وطلع منها ملف أصفر قديم، ومستندات مختومة بختم نسور قديم، وبص لمرات ابني وقال:

“يا بنتي… عمك الله يرحمه كان عارف إن أخوه (اللي هو أبوكِ) وشقيقك أيديهم ممدودة وعينيهم على اللي مش بتاعهم. عمك ما كانش عنده ولاد، ولما حس إن أجله قرب، كتب نص ممتلكاته — وهي عبارة عن المحل الكبير اللي أبوك وأخوكِ مشغلينه ومستفيدين منه طوال العشر سنين اللي فاتوا — باسمك إنتي كتابة بيع وشراء نهائية، وحط الأوراق عندي أمانة عشان تنفعك في جوزك لما تكبري.”

العروسة شهقت وحطت إيدها على قلبها:

“المحل اللي بابا وبيقول إنه ورثه عن عمي؟! المحل ده بتاعي أنا؟!”

المحامي هز راسه وابتسم بأسى:

“أيوه يا بنتي. أبوك وأخوكِ كانوا عارفين بالوصية والورق ده، وكانوا بيحاولوا طول السنين اللي فاتت بشتى الطرق يعرفوا الورق فين عشان يلغوه أو يزوروا تنازل منك. ولما اتجوزتي، خافوا إن جوزك يعرف بالسر ده وياخد المحل منهم… عشان كده كانوا ميتين عشان يكتبوا جوزك شيكات ويحجموه، أو يطلقوكِ ويرجعوكِ تحت إيدهم عشان ما تطالبيش بحقك أبداً!”

الصدمة في الصالة كانت كفيلة تخلي الحجر ينطق! ابني بصلي وبص لمراته، وأنا حسيت إن ربنا سبحانه وتعالى بيكشف الظلم وبيخلص الحقوق بأبسط الطرق وفي الوقت المناسب.

كمل المحامي كلامه وقال:

“الأوراق دي أصلية ومسجلة، وأنا جاي أسلمكِ إياها بإيدي قدام جوزك وأمه عشان تتصرفي فيها زي ما انتي عايزة… المحل ده قيمته دلوقتي تتعدى المليون جنيه، وأجرتهم السنوية عن السنين اللي فاتت حقك شرعاً وقانوناً.”

مرات ابني بكت بكاء حار، مش عشان الفلوس ولا المحل، لكن على قسوة أهلها وغدرهم اللي انكشف صفحة ورا صفحة. أخذت الورق من المحامي، وبصت لابني وليا وقالت بصوت مليان إصرار ودموع:

“أنا أبويا وأخويا باعوني ورخصوني… وحاولوا يخربوا بيتي ويعاقبوا جوزي اللي صانني. أنا مش هسيب حق جوزي وحقي، والأوراق دي هتوصل للمحامي بتاعنا بكره الصبح عشان المحل يرجع لأصحابه بالحق والقانون!”

ابني مسك إيدها وطبطب عليها وقال:

“أنا مش عايز منهم فلوس يا بنت الناس… أنا كان يهمني بيتي يفضل مرفوع الراس وأنك تكوني في أمان.”

ردت عليه بثبات:

“والحق لما يرجع لأصحابه، الهيبة والكرامة بيكملوا يا فلان.”

وبالفعل… بكره الصبح اتسلمت الأوراق للمحامي بتاعنا، وبدأت الإجراءات الرسمية لاسترداد المحل وإلزام والدها وأخوها بدفع الإيجارات والمستحقات المترتبة عليهم طوال السنين اللي فاتت.

لما والدها وأخوها وصلهم الإندار الرسمي باسترداد المحل ورفع دعوى ريع وتعدي، القاضية نزل عليهم الخبر كأنه هدم البيت فوق رؤوسهم! عرفوا إن كل المخططات اللي خططوها عشان يخربوا بيت بنتها وياكلوا حقها انقلبت عليهم، وإن السر اللي خافوا منه عشر سنين ظهر في الوقت اللي مابقاش عندهم فيه أي مخرج ولا حيلة!

أبوها جا العمارة تحت بيتنا، واقف يبكي ويتوسل لابني ومراته عشان يتنازلوا وما يطردوهومش من المحل اللي هو مصدر رزقهم الوحيد…

وابني وقف قصاده في البلكونة — نفس البلكونة اللي بدأت منها القصة كلها يوم عزومة الأكل — وقال له بوقار وشموخ:

“اللي بيزرع الشوك يا عمي مبيحصدش غيره… والبيت اللي اتقفل في وش الحق، القانون هو اللي هيفتحه.”

لكن القصة مكنتش لسه خلصت…

لأن في الليلة اللي سبقت جلسة استلام المحل رسمياً…

حصلت حاجة غير متوقعة بالمرة في شقة والدها، غيرت مجرى الأحداث وخليتنا كلنا نقف مذهولين أمام خطوة غير محسوبة من أخوها الكبير!

الجزء السابع والأخير

في الليلة اللي سبقت الجلسة الحاسمة لاستلام المحل، كانت الشوارع هادية والكل مستني الصباح عشان الحق يرجع لأصحابه وتتقفل الصفحة الأخيرة. لكن في حدود الساعة واحدة بعد نص الليل، تليفون ابني رن برقم جيران والد العروسة، والصوت كان طالع مذعور ومستعجل:

“الحق يا فلان! أخو مراتك اتجنن! لما عرف إن المحل هيروح من إيديهم وبكره التسليم، طلع على المحل وهو في حالة هيستيرية وأشعل النار في البضاعة جوه ومصمم يحرق المكان باللي فيه عشان ما تاخدوش منه حاجة!”

الخبر نزل علينا زي الصدمة! ابني قام فزع، ومراته صرخت وحطت إيدها على وُشها مش مصدقة إن الغل والعناد يوصل بأخوها إنه يحرق ملك أخته ويدمر نفسه!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى