
ظل محمود جالسًا على الأرض لعدة ثمانٍ، ينظر إليّ بعينين فارغتين وكأنه يحاول استيعاب أن هبة—الزوجة الهادئة التي كانت تتحمل تجني أمه وصمته—هي نفسها التي تقف أمامه الآن وتملي عليه شروطها بكل ثبات وقوة. بلع ريقه بصعوبة، ونظر إلى أمه التي كانت تقف عند باب الغرفة، تنظر إليه بكسرة لم يعهدها فيها من قبل.
قال بصوت خافت ومصحوب بغصة: “موافق يا هبة.. موافق على كل شروطك. الشقة تتدأجر، والإيجار يروح لحساب البنات، ومصاريف البيت عليّ جزاء وفاقًا على اللي عملته.. بس أرجوكي، بلاش تحرميني من بيتي وبناتي.”
وقفتُ أمامه بثبات ولم أهتز، وقلت بنبرة حاسمة: “الورق بكرة الصبح هيتوقع عند المحامي. العقد إيجار أملاك، والإيراد هينزل في الحساب المالي اللي فتحته باسم فريدة ونور وتاليا. وأنت هترجع شغلك بجدية، ومن غير ما تفتح بقك بكلمة واحدة عن موضوع الجواز ده تاني.. لا أنت ولا الحاجة حكمت.”
في صباح اليوم التالي، جاء السمسار ومعه العريس الجديد لتوقيع عقد الإيجار. قعد محمود في الصالة كأنه ضيف غريب في بيته، يشاهد بنفسه لحظة توقيع العقد واستلامي للمبلغ المقدم والأقساط الشهرية. كل حركة كانت بمثابة مسمار يُدق في غروره المكسور، لكنه كان يعلم أن أي اعتراض معناه صدور حكم بحبسه وتنفيذ التحفظ على نصيبه كاملاً.
بعد خروج السمسار والمستأجر، وضعتُ العقد في حقيبتي وتوجهتُ نحو باب الشقة. ناداني محمود بصوت مجهد: “على فين يا هبة؟”
التفتُ إليه وقلت بكل بساطة: “طالعة البنك أودع المبلغ في حساب البنات، وبعدها نازلة أشتري لهم هدوم ومستلزمات المدرسة الجديدة. الفلوس دي حقهم، ومش هتروح إلا في مكانها الصح.”
الحاجة حكمت، التي كانت تجلس في زاوية الصالة، لم تتفوه بكلمة واحدة، لكن نظراتها كانت تتابعني وهي تشعر بحسرة شديدة على المكانة التي فقدتها داخل البيت. لم تعد هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، ولم يعد ابنها قادرًا على حمايتها أو حماية أوهامها القديمة.
مرت الأيام والأسابيع، وأصبحت الشقة في الدور العلوي مسكونة بعائلة جديدة، وصوت أقدامهم وحياتهم فوقنا يذكر محمود والحاجة حكمت كل يوم بالخطأ الجسيم الذي ارتكباه. أصبح محمود يعمل ليل نهار ليسدد ديونه المتبقية من تجربة خطوبته الفاشلة وللتأكد من توفير كل متطلبات البيت دون تقصير، خوفًا من أن أُحرك القضايا المعلقة ضدده.
وفي يوم من الأيام، جاءت فريدة وبصحبتها نور وتاليا، وجلسن حول والدهن في الصالة وهن يحملن كراسات الرسم وشهادات التقدير من المدرسة. قالت فريدة بابتسامة تملأ وجهها: “شوف يا بابا، أنا ونور أخدنا المركز الأول في المدرسة، وماما جابت لنا الجوايز دي من حسابنا في البنك!”
نظر محمود إلى شهادات بناته، ثم رفع عينيه ونظر إليّ وأنا أعد الطعام في المطبخ. رأيت في عينيه مزيجًا من الندم الشديد والامتنان المكتوم. أدرك أخيراً أن البنات اللاتي كان يراهن أهله “قلة بخت”، هن مصدر الفخر والستر الحقيقي لبيته.
لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد؛ ففي مساء أحد الأيام، ضرب جرس الباب بشدة وغير معتادة. فتح محمود الباب ليفاجأ بوالد شيرين ومعه شقيقها، ووجوههما ترتسم عليها علامات الغضب والوعيد، وتحمل إيديهما أكياساً وكراتين تحتوي على أغراض محمود القديمة وشبكته.
قال والد شيرين بصوت عالٍ سمعته الحارة كلها: “خد حاجتك يا محمود! بنتنا مش للبيع ولا للشراء، واللي يضحك على الناس ويبين إنه صاحب أملاك وهو مديون ومحجوز عليه، ما يلزمناش ندخل بيته ثاني!”
ارتفعت الأصوات في المدخل وتجمّع بعض الجيران من أصحاب المحلات المجاورة ينظرون بفضول. وقف محمود في ذهول تام، وجهه يشتعل حمراء من شدة الخجل والإحراج وهو يرى والده شيرين وشقيقها يلقيان بالكراتين على العتبة بلا أي احترام.
وقف شقيق شيرين بعنجهية وقال بصوت جهوري: “دي الشبكة، والهدايا اللي جبتها في المناسبات. اختصرنا الطريق ورجعنا كل حاجة عشان ما ينوبناش منك ولا من عيلتك نقطة سوداء. بنتنا يسواها ألف راجل، ومش هتروح لواحد بيبني مجده على حساب مراته ويبص لدهبها عشان يستر ديونه!”
خرجت الحاجة حكمت من الغرفة مرتعدة، وصاح بصوت متهدج حاول تتصنع فيه القوة: “جرى إيه يا جدع أنت وهو؟! جرى إيه يا سي عبد السلام؟! إحنا ناس ولاد أصول، وابني سيد الرجالة، وما عشورناش النصب ولا قلة الأصل! انتم اللي ما صدقتوا وحسبتوها فلوس وقروش!”
رد والد شيرين بسخرية لاذعة هزت أركان الصالة: “ولاد أصول؟! ابن الأصول ما يروحش يخطب وهو مديون ومحجوز على شقته من صاحب مواد البناء! ابن الأصول ما يطمعش في دهب مراته اللي صايناه وصاينا بناته! الحمد لله إن ربنا كشفكم قبل ما ندبس بنتنا في شقة مقتطعة ومحاكم مبتنتهيش. يلا يا ابني من هنا، البيت ده ما يدخلوش راجل يقدر قيمة نفسه!”
انسحب الرجلان بعدما تركا الأكياس ملقاة على الأرض أمام عيون أهل الحارة. انغلق الباب، وساد صمت قاتل في البيت. كان محمود واقفاً كالصنم، يداه ترتجفان، وشخصيته اتمحت تماماً أمام هذا الموقف المفزع. كانت هذه هي الملحمة الأولى التي يذوق فيها مرارة التشهير العلني بالخطأ الذي ارتكبه بنفسه.
جثى محمود على ركبتيه ببطء ليرفع الأكياس من على الأرض، لكن الحاجة حكمت هجمت على الأكياس وانكبت تفحص الشبكة والمصاغ بلهفة وقالت: “نشكر ربنا إنهم رجعوا الدهب والشبكة! أهو ده رزق وجالنا من حيث لا نحتسب، نبيعه ونفك بيه الضيقة ونرجع بيه شقتنا اللي راحت للغرباء!”
في هذه اللحظة، خرجتُ من المطبخ بخطوات هادئة ولكن متزنة، ونظرتُ إليها بنظرة جعلتها تتوقف مكانها وتتراجع يداً إلى الخلف.




