
في صباح اليوم التالي، خرج محمود من البيت بخطوات ثقيلة وجهه يكسوه الهم والتردد، متوجهاً إلى ساحة المحكمة لمواجهة قضايا التجار. كانت الشمس حارقة، ورطوبة الصباح تتسلل إلى صدره فتزيد من ضيقه. ولأول مرة منذ سبع سنين، يمشى في الشارع وحيداً بغير سند، بلا هيبة الرجل المقتدر التي طالما حاول الادعاء بها، وبلا رضا الزوجة التي صانته طويلاً، ولا حتى بدعم أمه التي اختفت داخل غرفتها وانكسرت شوكتها تماماً بعد أن رأت نتائج حصادها المر.
في المحكمة، كان الموقف مهيباً والممرات مزدحمة بالخصوم والمحامين. وقف محمود عند زاوية القاعة ينتظر قضيته والأرق ينهك جسده. وعندما نوديت قضيته، تقدم وهو يبلع ريقه برعب من أن يجد نفسه خلف القضبان في أي لحظة. لكن المحامي الموكل عني كان حاضراً في الموعد تماماً. تقدم أمام القاضي بثبات، وقدم مستندات رسمية تُثبت البدء في تسوية الديون عبر الموارد المتاحة من حصة الإيجار والشبكة المردودة، ومشيراً إلى إيداع مبالغ شهرية منتظمة باسم البنات.
نظر القاضي في الأوراق بتمعن، ثم رفع عينيه إلى محمود وقال بنبرة حاسمة: “المحكمة تقرر تأجيل القيمة التنفيذية لمدة ثلاثة أشهر لإتاحة الفرصة للمدعى عليه باستكمال التسوية ودفع بقية الأقساط للملتزمين.”
خرج محمود من قاعة المحكمة وكأنه كتب له عمر جديد. استنشق الهواء بلهفة وكأن سلاسل حديدية كانت تطوق عنقه وفُكت في اللحظة الأخيرة. نظر إلى محاميّ وسأله بصوت مرتعش: “هي هبة.. هي هبة اللي طلبت منك تطلب التأجيل وتثبت التسوية؟”
رد المحامي ببرود وهو يجمع أوراقه في حقيبته: “المدام هبة مش عايزة تخرب بيتك ولا تحبسك يا محمود بيه.. المدام هبة بتدير الأزمة بعقل، وعايزة حق بناتها وكرامتها فقط. لو هي كانت عايزاك تتسجن، كانت حركت قضايا الوصل فوراً ومن غير تأجيل. فكّر في كلامي كويس، وارعى ربنا في بيتك وبناتك قبل ما المهلة دي تخلص.”
سار محمود في طريق العودة إلى الحارة وهو يفكر في كل كلمة قيلت. أدرك في تلك اللحظة فرقاً جوهرياً هائلاً بين امرأتين؛ بين شيرين التي أحبته لأجل مظهر ثراء وهمي وباعت قضيته ولعنت اليوم الذي عرفته فيه بمجرد أن شمت رائحة الأزمة، وبين هبة التي رغم كل الإهانات والبجاحة والكسرة التي سببها لها، كانت هي الجدار الصلب الوحيد الذي يحميه من السجن ويحفظ أطفاله من الضياع، حتى وهي تحاكمه بقوة القانون.
عندما وصل البيت، كانت الظهيرة قد حلت. دخل الصالة فوجد البيتادين والدواء على الطاولة، والحاجة حكمت تجلس في زاوية الكنبة وانكماش كامل يعلو جسدها. كانت مريضة، وضغط دمها مرتفعاً من كثرة التفكير والخزي الذي ألمّ بها.
خرجتُ من المطبخ وأنا أحمل كوباً من الأعشاب الدافئة، وقدمته للحاجة حكمت بغير تشفٍّ ولا إساءة، بل ببرود الواثقة التي لا تصب الزيت على النار، لكنها في الوقت نفسه لا تتنازل عن حدودها.
نظر محمود إليّ وإلى أمه، وقرب من أمه وقبل رأسها ثم التفت إليّ وقال بصوت مشحون بالرجاء والدموع: “القاضي أجل القضية ثلاثة أشهر يا هبة.. والمحامي قدم أوراق التسوية. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنتِ أنقذتيني للمرة الثانية من السجن.”
جلستُ على الكرسي المقابل ونظرتُ إليه بتمعن وقلتُ بثبات: “أنا ما أنقذتكش عشان سواد عينيك يا محمود.. أنا أنقذتك عشان فريدة ونور وتاليا ما يتقالش عليهم أبوه رد سجون. أنا عملت ده عشان بناتي يعيشوا مرفوعين الرأس، وما يتكسروش قدام حد.”
قعد محمود على الأرض بالقرب من قدمي، وبدأ يحكي بحسرة وندم: “أنا كنت عمي يا هبة.. أمي كانت بتقنعني كل يوم إن الست ملهاش أمان وإن الولد هو السند، وأنا مشيت ورا الكلام الفاضي. شيرين وأهلها رموا أكياس هدومي في الشارع وشتموني قدام الجيران، وأنتِ اللي صنتيني قدام المحكمة والقاضي. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تسامحيني.. لو عايزة أكتب لك البيت كله باسمك أنتِ والبنات هكتبه!”
رديت عليه بصوت جاد وهادئ: “البيوت ما بتتبنيش بالأوراق والتنازلات تحت التهديد يا محمود. البيوت بتتبني بالاحترام والعقل. أنت شفت بنفسك مين اللي يصون ومين اللي يبيع. الشقة اللي فوق كدة كدة إيجارها ماشى لحساب البنات، ومصروف البيت أسبوع بأسبوع هيتوفر منك بدون تقصير. والمهلة بتاعة الثلاث أشهر دي مش بس عشان المحكمة.. دي مهلة ليك أنت كمان، عشان تثبت لنفسك ولبناتك إنك ينفع تكون أب حقيقي، مش مجرد راجل يجري ورا كلام أمه وأوهام الهيبة المزيفة.”
دخلت فريدة ونور وتاليا الصالة في تلك اللحظة، ورأين أباهن يجلس على الأرض ودموعه على خديه. ركضت تاليا الصغرى ونطت في حضنه وقالت: “بابا.. أنت بتعيط ليه؟ هو حد زعلك؟”
احتضن محمود بناته الثلاث بقوة، وبكى بكاءً مريراً استمر لدقائق، كان يمسح رأسهن ويقبلهن بلهفة وكأنه يكتشف وجودهن لأول مرة في حياته. نظر إلى أمه الحاجة حكمت وهي تبكي بكسرة في زاويتها، وقال لها بصوت مسموع: ” شايفه يا أمي؟ شايفه البنات اللي كنتِ بتقولي عليهم قلة بخت؟ دول هما اللي شايلين اسمي، وهما اللي أمهن حمتني من السجن لما كل الناس سابتني!”
لم تستطع الحاجة حكمت أن تنطق بحرف واحد. كانت دموعها تنزل في صمت، ونظرت إليّ لأول مرة بنظرة انكسار ورجاء، وكأنها تطلب العفو عن كل كلمة قاسية وُجهت إليّ خلال السنين الماضية.
مرت الأيام التالية والبيت يسير بنظام جديد كالساعة. محمود أصبح يخرج من السادسة صباحاً لعمله في المقاولات، يواصل الليل بالنهار لجمع المال بجهد وشرف، يفي بمتطلبات البيت ويلتزم بدفع أجزاء من ديونه المتبقية للشركات. ولم يعد يتدخل في الشؤون المالية للبنات، بل كان يسلمني المصروف الأسبوعي بلا مجادلة أو تقصير.
أما الحاجة حكمت، فقد تغير سلوكها تماماً؛ أصبحت تقضي أغلب وقتها في الاستغفار والصلاة، وتتعامل مع البنات بحنان وعناية لم تعهدها العائلة منها من قبل. كانت تحاول التكفير عن أخطائها بالتقرب من فريدة وأخواتها، وتجنب أي احتكاك معي.



