روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 3

وفي ليلة من ليالي نهاية الأسبوع، وأثناء تناول العشاء، فتح محمود حديثاً هادئاً وقال: “هبة.. باقي شهرين على مهلة المحكمة، وأنا الحمد لله قدرت أجمع مبلغ كويّس من شغلي الجديد مع مهندس ديكور كبير، وسددت جزء تاني من ديون مواد البناء. أنا حابب إننا نفتح صفحة جديدة، ونخلي المحامي ينهي وصل الأمانة والقضايا بشكل رسمي، وأوعدك قدام ربنا وبناتي إن عمري ما هفكر أظلمك أو أسمع كلام يضر بيتنا تاني.”

نظرتُ إليه بتمعن، ورأيت التغير الحقيقي في تصرفاته وأفعاله وليس فقط في كلامه، لكنني كستُ وجهي بابتسامة متزنة وقوية، وقلت: “الخطوات اللي عملتها كويسة يا محمود، والأفعال دي هي اللي بتبني الثقة من جديد. بس الثقة اللي اتكسرت في سبع سنين ما بترجعش في شهرين. المحامي هيتبع الإجراءات القانونية اللي تضمن حق البنات وحقك في نفس الوقت لما تسدد آخر جنيه من الديون. ومن هنا لغاية ما ده يحصل.. يفضل الوضع زي ما هو، البيت مستقر، وبناتنا بيتربوا في عز وكرامة.”

أومأ محمود رأسه بالرضا التام وقال: “عندك حق يا هبة.. أنا موافق على كل كلمة تقوليها، ويكفيني إن البيت مقفول علينا بخير وسلام.”

خرجتُ إلى الشرفة في ذلك المساء، أراقب هدوء الحارة وأستنشق نسيم الليل العليل. شعرتُ براحة عميقة تنبع من داخلي؛ لقد أدركتُ أن القوة لا تعني الصراخ أو الخراب، بل تعني القدرة على إدارة الأزمات بذكاء، وحماية الحقوق بالقانون، والوقوف بثبات في وجه الطمع والجحود. وبغض النظر عما ستحمله الأيام القادمة، فإنني أصبحت واثقة تماماً أن بيتي وبناتي في أمان، وأن كرامتي التي حاولت أوهامهم مساسها قد عادت مكللة بالنصر والرفعة.

تغير مجرى الحياة في البيت بشكل كامل خلال الشهرين التاليين، وأصبح الهدوء السائد ليس هدوء ما قبل العاصفة، بل هدوء النفوس التي أدركت حجماً حقيقياً لأخطائها وعواقب أفعالها. لم يعد محمود ذلك الرجل الذي ينساق خلف الشعارات الزائفة، بل تحول إلى إنسان آخر يسابق الزمن ليعيد بناء ما هدمه بغروره وطمعه.

كان يخرج مع أذان الفجر، يسعى في مواقع البناء والتشطيبات، يعمل بيديه وعقله ليجمع القسط الأخير المتبقي من ديون مواد البناء. لم يعد يأنف من أي عمل، ولا يتذمر من التعب؛ كان كل عرق يسقط من جبينه بمثابة كفارة عن المهانة التي ألحقها ببيته وبناته. وفي نهاية كل أسبوع، كان يضع المبلغ المتفق عليه لمصروف البيت على الطاولة بكل احترام، دون أن ينقص منه جنيهاً واحداً، ودون أن يجرؤ على السؤال عن إيجار الشقة العلوي الذي يستقر بانتظام في حساب البنات البنكي.

أما الحاجة حكمت، فقد انكسرت نبرة الاستعلاء في صوتها تماماً. أصبحت تجلس أغلب أوقاتها في صمت، تصلي وتدعو لبنات ابنها. كانت تنظر إليّ ونظراتها مليئة بتخليط عجيب من الخجل والامتنان؛ الخجل من المخطط الفاشل الذي قادت ابنها إليه، والامتنان لأنني لم أطردها أو أستغل القضايا لأرمي ابنها في السجن وأشرد العائلة. أصبحت هي من تطبخ للبنات وتساعدهن في ترتيب الغرف، تحاول بكل طريقة ممكنة أن تكسب رضاهن ورضاي.

وفي أحد أيام الجمعة، وقبل أسبوع واحد من الموعد المحدد للجلسة النهائية في المحكمة، دخل محمود البيت وهو يحمل في يده ظرفاً أصفر كبيراً. كان وجهه مجهداً للغاية، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق لم أره فيه منذ سنوات.

جلس على الكنبة في الصالة، وناداني بصوت هادئ: “هبة.. ممكن تقعدي دقيقة؟”

خرجت من المطبخ وقعدت على الكرسي المقابل، بينما خرجت الحاجة حكمت ببطء وجلست في الزاوية، وجاءت فريدة ونور وتاليا ليجلسن بجوار والدهن.

فتح محمود الظرف وأخرج منه مخالصة مالية رسمية مختومة من المحامي ومن صاحب شركة مواد البناء، تفيد بسداد كامل المستحقات والديون وإلغاء كافة الدعاوى المرفوعة ضده. وضع الورقة على الطاولة أمامي، ثم أخرج ورقة أخرى مطبوعة بختم الشهر العقاري.

قال محمود بصوت خافت ونبرة مشحونة بالصدق: “دي المخالصة النهائية يا هبة.. سددت أخر جنيه كان عليّ للشركات وللمقاولين، ومعدش عليّ أي دين لأي مخلوق بره البيت ده. والورقة الثانية دي.. تنازل رسمي ومسجل في الشهر العقاري عن نصيبي في الشقة اللي فوق، وبقت مكتوبة باسم البنات الثلاثة: فريدة ونور وتاليا، ملكية نهائية مفيش حد يقدر ينازعهم فيها طول العمر.”

رفعت عيني النظر في الورقة، ثم نظرت إليه باستغراب متسائلة: “ليه عملت كده يا محمود؟ الشقة دي كانت حلمك اللي ضيعت عشانها كتير.”

رد محمود بدموع تتجمهر في عينيه، ونظر إلى بناته بقلب محروق من الندم: “الحلم الحقيقي كان تحت رجلي وأنا مش شايفه يا هبة. الشقة اللي فوق دي كانت رمز لغبائي وطمعي، وكانت هتكون سبب في خراب بيتي. أنتم السند الحقيقي، والبنات دول هما اللي هيشيلوا اسمي بجد لما أكون مش موجود. التنازل ده مش عشان أشتري خاطرك ولا عشان تسحبي وصل الأمانة.. التنازل ده حقهم القانوني الشرعي عشان يفضلوا عايشين مرفوعين الرأس حتى لو أنا جرى لي حاجة.”

نظرت الحاجة حكمت إلى ابنها، ثم مسحت دموعها بطرف شالها وقالت بصوت مكسور: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا هبة يا بنت أصول. أنا اللي عمت عين ابني، وأنا اللي حسسته إن البنات قلة بخت وتعب، وما عرفتش إن ربنا رزقنا بيكي وبيهم عشان تكونوا ستر البيت ونجاته. لو فيه حد لازم يترجم العفو والصفح.. فهو أنتِ.”

تنفس البيت كله الصدمة والراحة في تلك اللحظة. رفعت فريدة رأسها وبصت لأبوها وقالت: “يعني الشقة اللي فوق بقت بتاعتنا يا بابا؟ ينفع نعمل فيها مكتبة ونذاكر فيها إحنا وأخواتي؟”

احتضن محمود فريدة وقبل رأسها بحرارة وقال: “الشقة بقت بتاعتكم تعملوا فيها اللي أنتم عايزينه يا قلب بابا.. مفيش حد يقدر يضايقكم أو ياخد حقكم بعد النهاردة.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى