
الحياة اللي بنيتها على مدار عشر سنين في لحظة. نهى وقفت قدامي وهي بتبتلع ريقها بصعوبة، والدم فر من وشها لدرجة إنها كادت تفقد الوعي. الطفل الصغير اللي كان ماسك في جلبابها بص لي باستغراب، وبعدين بص لأمه وعيط بصوت عالي.
دخلت من باب الشقة من غير ما تستأذن، ورميت شنطتي على الترابيزة. الصدمة كانت مخليني أتحرك كأني في حلم ثقيل أو كابوس طويل مش قادرة أصحي منه. الشقة كانت هادية، ريحتها فيها بروسة بيوت العائلات القديمة، وعلى الحيطة في الصالة… علبة قطيفة حمراء فيها صورة تجمع أحمد ونهى مع الأولاد.
نهى قفلت الباب بهدوء، ووقفت قدامي وهي بتهتز، وقالت بصوت مكسور:
— مريم… أرجوكِ اسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة.
لفيت ليها وبصيت في عينيها اللي مليانة دموع، وقلت بصوت خالي من أي إحساس:
— مش زي ما أنا متخيلة إيه يا نهى؟! طفلين متسجلين على تأميني الطبي، ومصاريف مدفوعة من حسابي اللي مشترك فيه مع جوزي، وعايشين في شقة بفلوسنا، وأنا الوحيدة اللي كنت عايشة في مغارة مغمضة عيني! انهي جزء بالضبط اللي أنا فاهمه غلط؟
نهى قعدت على أقرب كرسي وغطت وشها بإيديها وبدأت تعيط :
— أحمد مالهوش ذنب بالصورة الكبيرة دي… أنا وأحمد كنا خطوبة قديمة، وانفصلنا عشان أهلي رفضوه وقتها وهو لسه في أول طريقه. أنا اتجوزت بعدها بسنتين من واحد مسافر، وخلفت منه الولد الأول.. بس جوزي سافر ومات في حادثة غريبة بعد الولادة بشهور قليلة. بقيت وحدي تماماً، بلا سند ولا تأمين ولا مصدر رزق، وأهلي تخلوا عني.
سكتت ثواني تاخد نفسها، وكملت:
— رجعت لأحمد مصادفة في الشارع… كان لسه متجوزك من سنة تقريباً. حكيت له ظروفي، وصعبت عليه. في الولادة الأولى سنة 2018، لما حسيت بالموت ويئست إني هلاقي مستشفى تقبلني من غير إثباتات أو فلوس، أحمد اتصرف… استغل إن اسمي كان شبه اسمك في بعض الأوراق، أو بالأحرى استغل بياناتك التأمينية وسجل الولادة على اسمك عشان التأمين يغطي المصاريف بالكامل في المستشفى الخاصة اللي هو اختارها.
بصيت لها بسخرية لاذعة وقلت:
— وطبعاً الولادة التانية سنة 2021 كانت صدفة تانية؟ ولا حنين للماضي؟!
نهى رفعت راسها وقالت بسرعة وبانهيار:
— في الولادة التانية… حملت في ابننا الثاني.. أيوه، ابننا! أحمد كان بيكمل معايا وبيجي يطمن عليا. الشقة دي هو اللي أجرها لي من فلوس شغله الخاصة، مش من فلوسك إنتِ يا مريم! كان بيحبني.. وفي نفس الوقت كان خايف يواجهك أو يطلقك عشان كان بيحب الاستقرار اللي كنتِ عملاهوله في البيت. هو ضحك عليا أنا كمان وقالي إنه هيطلقك لما الأمور تستقر، بس كان بيماطل كل السنين دي!
كلماتها نزلت على دماغي زي الصواعق. يعني الموضوع مش مجرد تزوير في التأمين، ده جواز سرّي كامل، وحياة مزدوجة كان عايشها على حساب أعصابي وصحتي ووقتي. عشر سنين من عمري ضاعوا مع راجل كان بيقسم نفسه بينا، وكان بيحسب كل خطوة عشان يضمن إنه واخد كل الامتيازات من الاتجاهين.
قلت بصوت واطي لكنه حاد زي السكين:
— والشقة دي… ومصاريف العيال… والعشر سنين اللي كان بيقضي نصهم بره البيت بحجة الشغل والسفر والمشاريع… ده كله كان بيضحك بيه عليا أنا كمان؟
نهى مسكت طرف هدومي وقالت بترجي:
— والله العظيم أحمد كان بيموت من الخوف عليكي إنتِ بالذات. كان دايماً يقولي إنك أطيب إنسانة شافت عيونها، وإنه مش هيهون عليه يجرحك لو عرفتي الحقيقة. عشان كده كان بيحاول يخبي كل حاجة، ولما ظهرت مشكلة التأمين في المستشفى امبارح، جالي البيت بالليل وهو مرعوب وفضل يزعق معايا ويقولي ليه اتصلتي بيا في الوقت الغلط!
ضحكت ضحكة مجنونة، ضحكة مليانة قهر وغضب أعماقي بتغلي منه:
— خايف عليا؟! الراجل ده ما بيخافش غير على نفسه وبس! هو مش خايف يجرحني، هو خايف مفتاح اللعبة يتسحب من إيده ويخسر الشقة دي والحياة التانية اللي بناها على أكتافي!
في اللحظة دي، التليفون في شنطتي رن.
طلعت الشاشة… كان المتصل “أحمد”.
بصيت لنهى اللي بصت للتليفون برعب، وقالت:
— اوعي تردي.. لو عرف إنك هنا هيجنن.




