
فتحت الخط من غير ما أتكلم، وحطيت التليفون على الإبيكر عشان نهى تسمع صوت الكارثة بنفسها.
صوت أحمد كان ملهوف ومرعوب وبيتنفس بسرعة:
— مريم! إنتِ فين؟! أنا روحت البيت لقيتك مش موجودة، ولقيت ورق التأمين اختفى من الشنطة! مريم ردي عليا، إنتِ فين دلوقتي؟!
سكت ثواني أستمتع بصوت الرعب الحقيقي لأول مرة في صوته، وبعدين قلت بهدوء تام وثبات مرعب:
— أنا في مكان أخير يا أحمد… مكان يخصك إنت ونهى.
سكت الخط تماماً من الناحية التانية.. سكون تام كأن الصاعقة ضربته وهو قاعد على مكتبه في الشغل.
قفلت السكة في وشه، وبصيت لنهى اللي كانت بتترعش في مكانها، وقلت بصوت حاسم:
— اللعبة خلصت يا نهى. واليوم ده مش هيعدي على خير لأي واحد فيكم.
رجلي ما كانتش شايلاني وأنا نازلة على السلالم، لكن قلبي كان بيغلي بنار الغضب والإهانة. عشر سنين من عمري اتسرقوا، عشر سنين وأنا فاكرة إني العوض والسند لراجل طلع بيبني حياة تانية كاملة في الضلام، بفلوسي، وباسمي، وعلى حس صحتي ونفسيتي.
ركبت عربيتي وقعدت ورا الدريكسيون مش قادرة أتنفس. الموبايل ما بطلش رن. اسم “أحمد” كان بينور الشاشة ويفصل، وبعدين يرجع يرن تاني. ما رديتش. سبته ينحرق في نار القلق، سبته يذوق طعم الانتظار والخوف اللي عشته ليلة امبارح.
دورت العربية واتحركت على شقتنا. كنت عارفة إنه هيركب عربيته ويجي جري، وإني لازم أسبقه بأي شكل.
وصلت البيت قبل منه بحوالي ثلث ساعة. دخلت الشقة، وعلى طول على أوضة النوم. فتحت الدولاب وطلعت شنط السفر الكبيرة. بدأت ألم هدومي، حاجتي، ذهبي، وكل الورق الرسمي اللي يخصني. الأوراق الشخصية، الشهادات، عقود الحسابات البنكية اللي باسمي، وحتى أوراق ملكية الشقة اللي كنا كاتبين جزء منها باسمي من شقا عمري.
وأنا بلم حاجتي، سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب برعشة وعنف.
الباب اتفتح واتقفل بصوت عالي.
أحمد دخل الممر وجري على أوضة النوم وهو بينهج، وشه كان أصفر زي الميت، وعرقان لدرجة إن قميصه كان مبلول.
أول ما شاف الشنطة المفتوحة والهدوم على السرير، وقف في مكانه ومسك في إكرة الباب كأنه هيقع.
— مريم… أرجوكِ… استني بس وافهمي…
طلعت شنطة صغيرة وحطيت فيها نسبي من أوراق التأمين اللي طبعتها، وبصيتله بجمود قاتل. ما كانش فيه في عيني نقطة دموع واحدة، الدموع خلصت في الشقة التانية.
— أفهم إيه يا أحمد؟ أفهم إنك متجوز عليا من سنين؟ ولا أفهم إنك مخبي عني عيال؟ ولا أفهم إنك سرقت بياناتي الشخصية واستخدمت تأميني عشان تولد مراتك التانية مرتين على اسمي وعلى حس شركتي؟
أحمد قرب مني بخطوات سريعة وكان هيمسك إيدي، بس رجعت خطوة لورا ورفعت إيدي في وشه:
— إياك تلمسني! إياك تحط إيدك عليا تاني!
دموعه نزلت، وبدأ يتكلم بصوت متقطع ومرعوب:
— مريم، والله العظيم أنا بحبك إنتِ! نهى كانت غلطة، كانت نزوة وظروف إنسانية اتكعبلت فيها وما عرفتش أطلع منها! لما رجعتلي زمان كانت مدمرة، وما قادرتش أتخلى عنها… وبعدين لما حملت في الولد الأولاني، الدنيا اتعقدت أكتر وخفت أقولك تطلبي الطلاق وتضيعي مني!
ضحكت بسخرية مسمومة هزت الأوضة:
— نزوة؟! نزوة تقعد معاها عشر سنين؟! نزوة تخلف منها طفلين؟! نزوة تزوّر أوراق رسمية وتلبسني أنا قضايا وتزوير في شركة التأمين عشان توفر لمستشفى خاص؟! إنت عارف عقوبة اللي عملته ده إيه يا أحمد؟! ده تزوير واستعمال محررات مزورة واستيلاء على مال بغير حق! دي فيها سجن!
أحمد أول ما سمع كلمة “سجن” و”تزوير”، عينيه اتسعت برعب حقيقي. الرعب اللي كان مستخبى ورا قناع الخوف عليا وعلى حملي، ظهر على حقيقته. هو ما كانش خايف عليا، كان خايف من السجن والفضايح!
قرب ووقع على ركبه قدامي على الأرض، مسك في طرف بنطلوني وبدأ يعيط بانهيار:
— بترجاكِ يا مريم… بلاش التأمين! بلاش الشركة! لو البلاغ كمل والاعتراض مشي في سياقه، الشرطة هتدخل وهيكتشفوا إن المستندات مزورة وإن التوقيع توقيعي! مستقبلي هيروح، وشغلي سينتهي، وأهلي هيتأثروا جداً! اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، اطلبي كل فلوسي، اطلبي الشقة، اطلبي الطلاق… بس بلاش المحاضر والتأمين!
بصيتله وهو تحت رجلي. الراجل اللي كنت شايفاه سندي في الدنيا، الراجل اللي كنت بأمنه على روحي وحياتي، قاعد بيبكي وبيترجاني عشان أنقذ رقابته من حبل التزوير اللي هو لفه بإيده حوالين نفسه.
سحبت رجلي من إيده بقوة وقفت على حيلها:
— إنت فاكر إن الموضوع بايدي أوقفه؟ الاعتراض اتسجل في سيستم الشركة خلاص يا أحمد! والورق اتطبع، والموظفة بلغت الإدارة القانونية لأن فيه مطالبات مالية بتدفعها شركة التأمين لمستشفيات خاصة بآلاف الجنيهات على مدار سنين!
أحمد قام وقف فجأة، وتحولت ملامح وش النزوة والرعب لملامح واحد مزنوق في زاوية:
— إنتِ هتروحي معاكي بكرة شركة التأمين، وهتقولي إنك افتكرتي! هتقولي إنك عملتي العمليتين دول في مستشفى خاص بس نسيتي من التعب أو كان فيه لخبطة! هتسحبي الاعتراض يا مريم، مش هسمحلك تخربي بيتي وتبهدليني!
بصيتله وأنا مش مصدقة حجم الوقاحة والانتهازية اللي ناطقة من كلامه:
— أشيل عنك القضية وأعترف على نفسي بالتزوير والتدليس عشان سيادتك تطلع منها زي الشعرة من العجين؟! إنت اتجننت؟!
وفجأة، وأنا بتكلم معاه بعصبية شديدة، حسيت بنغزة حادة في بطني. وجع مفاجئ وعنيف شل حركتي.
مسكت بطني بايدي الاتنين، ونزلت على الأرض بالراحة وأنا بتأوه بصوت مكتوم.
أحمد اتخض وقرب مني:
— مريم! مالك؟!
بصيت للفرش تحتيا… كان فيه نقط دم حمراء بدأت تبان. حملي الأول… الحلم اللي استنيته عشر سنين وكنت حاسة إنه العوض، كان بيضيع مني في نفس اللحظة اللي بتنهار فيها حياتي كلها.
أحمد صرخ بذهول:
— دم؟! مريم إنتِ بتنزفي!
مسكت في إيد السرير وأنا بأعيط من كثرة الوجع والكسرة:
— اطلب الإسعاف… اطلب الإسعاف يا أحمد…
أحمد مسك الموبايل بإيد بترتعش، لكن وهو بيبصلي وبيسجل الرقم، عينيه راحت على الشنطة والأوراق اللي على السرير… وظهرت في عينيه فكرة أمل جشع في وسط الكارثة.
وقف وما اتصلش، وبصلي بصوت واطي ومريب:
— هوديكي المستشفى حالاً يا مريم… بس الأوراق دي… والاعتراض ده… لازم يختفوا الأول.
الدم كان بيسيل على رجلي والوجع بيقطع في بطني، وفي اللحظة اللي كنت فيها بموت ببطء وبفقد أملي الوحيد في الحياة بعد انتظار عشر سنين، كان أحمد واقف فوق رأسي، عينيه مش عليا ولا على الدم، عينيه كانت معلقة على الورق المطبوع من شركة التأمين والشنطة المفتوحة على السرير.
مسك أوراق التأمين من على السرير بسرعة وجشع، وحطهم في جيب جاكيتته، وقرب مني وهو بيتظاهر بالخوف والمرحمة، ويمد إيده عشان يشيلني:
— قومي يا مريم… هوديكي المستشفى فوراً، بس أوعديني… أوعديني لما نقوم من الكارثة دي إننا هنقفل الموضوع ده ونحل كل حاجة بيننا ونسحب الاعتراض!
صرخت في وشه بكل ما فيا من قوة وعافية، صرخة طلعت من أعمق نقطة وجع في قلبي:
— أبعد عني! إياك تلمسني يا خاين! مش هسحب حاجة… ولو أموت هنا مش هاخد منك مساعدة!
أحمد اتوتر، وبدأ ينظر حواليه برعب. الصوت كان عالي، والدم بيزيد. أدرك إن لو جرالي حاجة في الشقة، الفضيحة والشرطة هتوصل له قبل موضوع التأمين حتى. مسكني بالعافية وشالني وأنا بقاومه وبزقه بإيديا الضعيفة. نزلت السلالم وأنا في شبه غيبوبة، غارقة في الوجع والنزيف، وركبني الكرسي اللي جنب السائق في العربية، وطار على أقرب مستشفى.
طوال الطريق، كان بيسوق بجنون، إيد على الدريكسيون وإيد بتتحسس جيبه للتأكد إن أوراق التأمين معاه. كان بيلتفت لي كل ثانية ويقول بصوت متوتر:
— استحملي يا مريم… قُربنا نوصل… كل حاجة هتبقى كويسة… الأطفال يروحوا وييجي غيرهم، المهم إحنا ونفسنا!




