
مرّت الأيام بعد تلك الليلة الفاصلة، وخرجت نرمين من البيت مجرورة بجريرة فعلتها، وظن الجميع أن الصفحة أُغلقت للأبد وأن العاصفة استكانت. لكن النفوس المتروسة بالغل لا تترك ساحة المعركة بسهولة، خاصة إذا كان كبرياؤها قدُحِق أمام عائلة كاملة.
بدأت الشائعات تتردد في الحي ومنطقة السكن. كانت نرمين وأهلها يبثون الكلام في كل مكان: “عائلة فلان طردوا بنتنا وافتروا عليها وعملوا لها فبركة فيديوهات عشان يأكلوا مؤخرها وحقها!” كان شريف يعود كل ليلة متكدر الوجه، يقع بين نارين: نار كرامته التي أُهينت بخدعة زوجته، ونار ضغوط أهلها والقضايا التي بدأوا يهددون برفعها في المحاكم (تبديد طلاق، وقائمة منقولات ومؤخر)، مما جعل شريف يسير في البيت كأنه ظل لرجل، متوترًا ومشتت الذهن.
كانت سعاد تلاحظ ذبول سلفها الصغير. ورغم كل ما حدث، لم تحمل في قلبها غلاً. كانت تقف في المطبخ، تضع صينية الشاي المعتادة وتستعد لإطلاق زغروطة لخروج ولدها نجاحًا في الامتحان، لكنها لما رأت شريف يدخل مكشّرًا ومهمومًا، سكتت وسحبت كرسياً وقعدت أمامه.
قالت له بنبرة دافئة تحمل حنان الأخت الكبيرة: “مالك يا شريف؟ وشك شايل هموم الدنيا ليه يا بني؟”
رد شريف بصوت مكسور: “تعبان يا سعاد.. أهل نرمين رافعين عليا قضايا بمبالغ خيالية، وطالبين القائمة والمؤخر المكتوب، وبيقولوا في المنطقة إننا ناس مفترين وظلَمنا بنتهم. أنا سمعتي وسمعة البيت بقت على كل لسان، ومش عارف أتصرف كيف ولا أدفع المبالغ دي منين، وأنا حاسس إني السبب في كل اللخبطة دي.”
طبطبت سعاد على كتفه وقالت بصوت قوي فيه نخوة أولاد البلد: “ولا تشيل هم حاجة! البيت ده طول عمره منصور بالحق، واللي يقصدنا بشر ربنا بيكشفه. أنت أخونا الصغير، ولو الدنيا كلها وقفت ضدك، إحنا ضهرك.”
في اليوم التالي، فاجأتنا سعاد بحركة لم تكن في الحسبان. أخرجت من صندوقها الخاص دفتر توفير قديم وبعض قطع الذهب البسيطة التي كانت تدخرها لزواج ابنتها الكبيرة، وقدمتها لحمايا وزوجها وقالت: “المحامي يترفع، والقضايا تتقفل بالكامل، والبت دي تأخد حاجتها بالقرش والمقاس عشان ما يبقاش لها عين تتكلم ولا تتبلى على سمعة البيت ثاني. حق شريف وكرامته من كرامتنا كلنا!”
وقف حمايا مشدوهًا من شهامة سعاد وجدعنتها التي لا تنتهي، أما زوجها فنظر إليها بفخر واعتزاز ورأس مرفوع. بالفعالية والسرعة، تكاتفت العائلة؛ تم توكيل محامٍ كفء، وأُرفق المقطع الموثق مع المحاضر الرسمية للرد على ادعاءات أهل نرمين ومحاولات الابتزاز المالية.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ ففي جلسة الصلح والتفريغ التي حضرتها أطراف العائلتين في مقر كبير المنطقة ومحكمها العرفي، حاول والد نرمين التباهي والتطاول وادعاء مظلومية بنته. هنا قامت سعاد، بكل شموخ وهدوء، وأخرجت فلشّة مدمجة عليها الفيديو بدقة عالية، وتم عرض مقطع التسلل والافتراء أمام كبار العائلات والشهود!
سقطت أقنعة الزيف كليًا. خيم الخزي على والد نرمين وأقاربها، وتلعثموا ولم يجدوا حرفًا واحدًا يدافعون به عن فعلة ابنتهم. واضطروا تحت ضغط الحقيقة والشهود العرفيين إلى التنازل عن القضايا الكاذبة واستلام المنقولات الخاصة بها فقط دون أدنى افتراء أو زيادة، وخرج شريف من تلك الأزمة مرفوع الرأس دون أن يُظلم أو يُبتز.
عادت المياه إلى مجاريها بشكل أعمق وأقوى مما كانت عليه. شريف عرف قيمة أهله وادرك أن “الضحك والفرفشة” في هذا البيت لم تكن مجرد قشور، بل كانت غطاءً لقلوب نبتت على الجدعنة، والشهامة، والأصل الطيب.
وفي ليلة جمعة مباركة، تجمعت العائلة كلها في الصالة الكبيرة. حمايا يجلس في الصدارة، وأبناء سعاد يضحكون، وأنا وزوجي نشاركهم الجلسة، وشريف يجلس بيننا مبتسمًا بعد أن زالت عن كاهله الغمة.
دخلت سعاد من المطبخ وهي تحمل صينية كيكة كبيرة صنعتها بنفسها، وقفت في منتصف الصالة، ونظرت إلينا جميعًا بعيون تلمع بالحب والأمل، ثم رفعت يدها وأطلقت زغروطة مدوية هزت أركان الشارع كله:
“لولولولولولولولوي! مبروك علينا رجوع الحق، ومبروك علينا اللمة التي ما يكسرهاش غل ولا ينغصها حسود!”
ضحك الجميع من أعماق قلوبهم، وسادت حالة من البهجة والارتياح، لكن النظرات في عيون الجميع كانت تقول إن رحلة هذه العائلة مع أزمات الحياة ومفاجآتها لم تنتهِ بعد، وأن الأيام ما زالت تخبئ الكثير تحت سقف هذا البيت العامر.
مرّت شهور على انتهاء أزمة نرمين، وبدا أن البيت استرد أنفاسه وأمانه. عادت الضحكة تصدح في الصالة، وسعاد كعادتها تنشر البهجة في كل ركن، تزغرد لأصغر المناسبات وتملأ القعدة بالدفء والجدعنة. غير أن الأيام، كما هي عادتها في البيوت الكبيرة، لا تستقر على حال واحد لزمن طويل.
في صباح يوم جمعة، وبينما كنا نعد الفطور الجماعي في المطبخ وسعاد تتغنى بأمثالها الشعبية الطريفة وتوزع أطباق الفول والعمية، دخل شريف الصالة بخطوات ثقيلة ووجه شاحب، يمسك في يده مظروفاً أصفر رسمياً. جلس على أقرب كرسي ودون أن يتكلم كلمة واحدة، وضع المظروف على الطاولة أمام حمايا.
ساد الصمت المطبخ فجأة. خرجت سعاد وأنا خلفها واستفسر حمايا بنبرة قلقة وهو يضع نظارته القراءة: “خير يا شريف؟ المظروف ده فيه إيه يا بني؟”




