روايات وقصص

سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 3

استقرت حياة العيلة لأسابيع قليلة بعد زفاف شريف ورضوى، وعادت الشقة ضاحكة كعادتها. رضوى دخلت البيت بنفس راضية وقلب أبيض، اندمجت مع سعاد ومعي في المطبخ واللمات، وكانت سعاد تتعامل معها كأخت صغيرة، تُعلّمها وتدللها وتطلق الزغاريد لكل وجبة تُتقنها العروس الجديدة. غير أن تلك النظرة المريبة التي التقطتُها عند باب العمارة ليلة الفرح لم تكن مجرد وهم، بل كانت رأس الخيط لمؤامرة جديدة تُنسج في الخفاء.

 

في ليلة شديدة البرودة، كان حمايا ورجال البيت يجلسون في الصالة يتسامرون بعد يوم عمل شاق في الورشة، وسعاد تطوف عليهم بصينية السحلب الدافيء والضحكة لا تفارق شفتيها. فجأة، تعالي صوت جرس الباب بدقات متسارعة ومرتبكة. فتح سلفي الكبير الباب، ليجد أمامه سيد—أحد العمال القدامى في الورشة، والذي كان قد اختفى منذ فترة بعد أن أغراه ابن عم نرمين بالمال لشهادة الزور في قضية التزوير الفاشلة.

كان سيد يرتجف، ليس من البرد فحسب، بل من الخوف والتأنيب. أصر على الدخول والانكباب على يد حمايا يقبلها وهو يبكي: “سامحني يا حاج! سامحني يا سي شريف! أنا جيت أطهر ذمتي قبل ما أقف قدام ربنا، أنا اتضحك عليا وبعت ضميري بعرض من الدنيا، بس الأفاعي لسة ما ماتتش وراويين لكم على مصيبة جديدة!”

اجتمع الرجال حوله، وسكتت سعاد وأمسكت إيدي ونحن نستمع برعب لما يقوله سيد. اتضح أن نرمين وابن عمها، بعد خسارتهما للقضايا وتشوّه سمعتهما في المنطقة، لم يستسلما. كان غلّهما قد تحول إلى انتقام أعمى. اتفقا مع بلطجية خارجين عن القانون لتدبير حادث “حريق مفتعل” في ورشة العيلة ومخزن الأدوات الكهربائية في منتصف الليل، لدمار مصدر رزق العائلة بالكامل، مع وضع مواد خطرة ومحظورة داخل المخزن قبل إشعال النار ليتهموا حمايا وسلفي الكبير بالتجارة غير المشروعة والإهمال الجسيم!

نزل الخبر كالصاعقة على الرجال. شريف وقف غاضباً يريد الخروج بالسلاح لمواجهتهم، وسلفي الكبير شحب وجهه، وحمايا وضع يده على صدره متألماً من هول الغدر. لكن سعاد—التي لم تعرف الخوف يوماً ولم تسمح للشر أن يهزم بيتها—تقدمت خطوة بثبات كأنه الجبل.

أمسكت يد شريف وقالت بصوت كالرعد يحمل القوة والنخوة: “اهدأ يا شريف! القوة مش بالعافية والدم، القوة بالعقل والتدبير! طالما ربنا كشفهم لنا ونور بصائرنا بسيد، يبقى الحق هيركبهم ويتمحوا من الدنيا!”

التفتت سعاد لحمايا وقالت: “يا عمي، الشرطة لازم تدبر لهم كمين على حق. مش هنستناهم لما يحرقوا شقانا، إحنا هنوقعهم في الشباك اللي حفروها بإيديهم.”

تواصل حمايا وشريف مع المباحث فوراً وقدموا شهادة سيد الموثقة بالصوت والصورة، إلى جانب الاتصالات المسجلة التي حاول ابن عم نرمين بها توجيه سيد لتسهيل دخول البلطجية للمخزن. أعدت الشرطة خطة محكمة للقبض عليهم متلبسين في نفس الليلة التي تم تحديدها لتنفيذ الجريمة.

في الليلة الموعودة، كانت أعصاب البيت كله على المحك. جلسنا في الصالة ننتظر والوقت يمر كأنه دهر. سعاد كانت تتنقل بيننا، تصلي وتدعو وتطمئن رضوى المرتعبة، ولم تفقد ثقتها بالله لحظة واحدة. وقبل الفجر بساعة، اتصل شريف من أمام الورشة، ونقل الخبر السعيد: “تم القبض على البلطجية وابن عم نرمين وهم يقتحمون المخزن ومعهم جاليونات البنزين والمواد المحظورة! ونرمين تم استدعاؤها كمحرضة رئيسية والجريمة ثابتة عليهم بالصوت والصورة والتلبس!”

عندما عاد رجال البيت رفقة الشرطة بعد استكمال المحاضر وضمان حظرهم خلف الأسوار لسنوات طويلة، أشرقت الشمس على وجه البيت معلنة نهاية حقبة الرعب والغل إلى غير رجعة.

وقفت سعاد في منتصف الصالة، والشمس تداعب وجهها، ونظرت إلينا جميعاً بابتسامة النصر والعزة، ثم رفعت رأسها وأطلقت زغروطة هزت جدران البناية والشارع كله:

“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا وستر ربنا اللي ما بيتسحبش أبداً!”

احتضن الجميع بعضهم البعض بدموع الفرحة، وعادت البهجة الصافية تملأ الأركان، غير أن سعاد التفتت إليّ فجأة بابتسامة خبيثة ومبهجة وقالت: “استعدي يا بت.. الدور عليكي إنتي وجوزك، مشوار الحجاز قرب والفيزا طلعت!”

سادت حالة من الفرحة العارمة بين جدران البيت بعد أن انكشفت الغمة الأخيرة وضُبِط الجناة متلبسين بشر أعمالهم. لم تكن الفرحة هذه المرة مجرد ارتياح من أذى زائل، بل كانت نصرًا عزيزًا ورضاً كاملاً ألقى بظلاله على كل شبر في المكان. بدأت العائلة تستعيد طمأنينتها الأسرية، وعادت اللمات اليومية حول مائدة الطعام مليئة بالضحك والأحاديث الطيبة التي لا تخلو من تعليقات سعاد الفرفوشة وزغاريدها المبشرة كلما حدث أمر يسر الخاطر.

وفي صباح يوم مشرق، وبينما كنا نعد المشروبات في المطبخ ونتقاسم المهام اليومية بروح أسرية دافئة، دخل زوجي الصالة ووجهه يفيض بالبشر والسرور، يحمل في يده مظروفًا أنيقًا. ألقى السلام بنبرة حنونة مليئة بالشكر، واقترب مني أمام الجميع وهو يبتسم ابتسامة عريضة لم أرها على وجهه منذ فترة طويلة.

سأله حمايا باهتمام: “خير يا بني؟ إيه المظروف اللي في إيدك ده؟ شايف وشك منور ومبتهج على الصبح!”

فتح زوجي المظروف وأخرج منه الأوراق وهو ينظر إليّ بعيون مليئة بالمودة والامتنان: “الحمد لله يا أبا.. ربنا فتحها علينا بعد الصبر والدعاء، وأخيرًا تأشيرات الحج وأوراق زيارة بيت الله الحرام طلعت كاملة ومكتملة لي ولزوجتي! ده الفضل بعد ربنا يرجع لدعواتكم ولجدعنة سعاد اللي كانت دايماً تتفاءل وتدعي بالحجاز!”

هبط الخبر على قلبي كشلال من النور والدفء، وتجمدت حركتي لحظات من شدة المفاجأة والتأثر. كان حلم زيارة بيت الله الحرام يراودني منذ سنوات طويلة، وكنت أترقبه بلهفة ورجاء. دمعت عيناي خشوعًا وشكرًا لله، وقام حمايا من مكانه يحتضن زوجي ويدعو لنا بالقبول والسلامة.

في هذه اللحظة بالذات، نفضت سعاد يديها من العجين وقفت في وسط الصالة والسرور يملأ وجهها كأنه شمس أشرقت فجأة. انطلقت منها زغروطة مدوية هزت أركان البيت والشارع، زغروطة أطول وأقوى من كل ما سبق، تبعتها بدعوات حارة تخرج من أعمق نقطة في قلبها الطيب:

“لولولولولولولولولوي! ألف مبروك يا أختي يا حبيبتي! عقبال ما تطوفي حوالين الكعبة وتدعي لنا كلنا بالستر والعمار! يا بختك برضا ربنا وزيارة نبيه، ترجعي لنا بالف سلامة وغنيمة!”

اقتربت مني سعاد واحتضنتني بقوة، ودموع الفرح المتبادلة تملأ أعيننا. تذكرت على الفور يوم أن رتبت لها الثلاجة واحتضنتني قائلة إنها سترد لي الجميل حين أعود من الحجاز. رددت عليها ونفسي مليئة بالحب: “دا كله بفضل ربنا ثم نيتك الصافية يا سعاد، دعواتك وفرحتك هي اللي كانت فاتحة خير على البيت ده كله.”

خلال الأيام التي سبقت السفر، تحول البيت إلى شعلة من النشاط والبهجة استعدادًا لهذه الرحلة المباركة. كانت سعاد تتولى كل التفاصيل بنفسها؛ تشتري مستلزمات السفر، وتساعدني في تجهيز الحقائب، وتوصي الجميع بدعوات محددة أمام الروضة الشريفة. لم تترك شيئاً للصدفة، وكانت تبتكر الأفكار وتوزع الهدايا البسيطة على الجيران والمقربين لطلب العفو والدعاء.

وفي ليلة السفر، اجتمعت العائلة بأكملها في شقة حمايا؛ سلفي الكبير، وشريف وزوجته رضوى، والأبناء الكبار الذين تزينت وجوههم بالابتسامات. أقام حمايا جلسة ذكر ودعاء، وتناوب الجميع على إبداء المشاعر الطيبة وطلب الدعوات عند المشاعر المقدسة. كانت الشقة تضوع برائحة البخور والمسك، والجميع يعيش حالة من السكينة التي لم نذقها منذ زمن.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى