روايات وقصص

مرات ابني حكايات رومانى مكرم 2

وقف محمود في نص الصالة يتفرج على الفراغ اللي سابته مروة وراها. صوت باب  اللي اتراخى بالراحه كان أشد من صوت هبدته. أمه فاطمة كانت واقفة جنبه، عينيها بتتطوح بين العقد اللي حطته مروة على الترابيزة وبين وش ابنها اللي اسودّ من التفكير والزنقة.

فاطمة حاولت ترمم كبرياء ابنها المكسور، قربت منه وحطت إيدها على كتفه بنبرة فيها حيرة متغطية بتكبر:

“ولا يهمك يا محمود.. بتلوي دراعك ؟  دي إنت تعبت فيها ودخلت فيها عفش بمئات الآلاف، مش هتقدر ترميك في الشارع! ده كلام يخوفك بيه عشان ترجع تبوس إيدها.. خليك ناشف، المرأة لما تلاقي جوزها نشف، بتطرى وتبطأ.”

محمود رفع راسه وبص لأمه بعيون فيها كمية قهر ومشاعره متلخبطة:

“تطرى إيه يا أمي؟ مروة مش من النوع ده! مروة لما بتاخد قرار بالورقة والقلم مابترجعش فيه! إنتِ مش فاهمة، الشقة دي فعلاً بعقد باسمها وهي اللي دافعة مقدمها من شغلها قبل الجواز، وأنا كتبتها باسمها عشان أثبتلها إني شاريها.. دلوقتي كل حاجة دارت عليا! المصاريف اللي كانت بتشيلها معايا أكتر من مرتب المعمل مرتين! مدارس العيال للغات، الدروس، النادي، السوبر ماركت.. أنا هجيب منين كل ده؟”

فاطمة اتنرفزت وقالت بصوت عالي:

“جرى إيه يا محمود؟ إنت نسيت إنك راجل ولا إيه؟ هتعيش تحت ضرسها عشان قرشين؟ إنت ترفع قضية! ولا تروح لأبوها وأمها وتفضحهم، قولهم بنتكوا طالعة عمرة بفلوسها وسايبة جوزها وبيتها يستلفوا!”

في الوقت ده، مروة كانت وصلت شركتها. قعدت على مكتبها المكيف، فتحت اللابتوب، بس قبل ما تبدأ شغل، مسكت تليفونها واتصلت بأبوها.

“صباح الخير يا بابا.. كل حاجة جاهزة، الباسبورات والتذاكر وحجز الفندق في مكة والمدينة على أعلى مستوى.. الشهر الجاي هتنوروا بيت الله الحرام.”

صوت أبوها كان مليان دموع وفرحة:

“ربنا يباركلي فيكي يا مروة يا بنتي، ربنا يرزقك من وسع ويصلح حالك وحال جوزك وعيالك.. بس يا بنتي محمود أخباره إيه؟ مش زعلان إنك عملتي كده من غير ما تقوليله؟”

مروة ابتسمت بوجع ونبرة حاسمة:

“محمود عارف يا بابا، ومفيش أي مشاكل.. إنتوا شقيتوا عشان أكون في المكانة دي، وده أقل حق ليكم عليا.”

قفلت مروة مع أبوها، وبدأت تتصل بشركة الخدمات وسددت مصاريف الباص والمدارس بتاعة العيال للترم الجديد كاملة من حسابها، لكن عملت حاجة واحدة بس مختلفة: غيرت رقم التواصل والمسؤول المالي في ملف العيال بالمدارس، وحطت رقم محمود ورقم أمه!

مرت الأيام، والبيت بقى عبارة عن ساحة حرب باردة.

محمود كان بيصحى كل يوم يلقى الفطار معمول للعيال فقط، ومروة مابتتكلمش معاه كلمة واحدة. كل طلب للبيت، كان بيتبعتله بمسج على الواتساب: “الكهربا فاضل فيها كارت بـ 500 جنيه”، “الغاز جه ومحتاج تسديد”، “الدرس الخصوصي بتاع ندى معاد دفعه بكرة”.

محمود بدأ يتزنق فعلياً. المرتب طار في أول أسبوع بين أقساط ومصاريف أساسية، وما بقاش معاه مليم واحد يصرف منه على بقية الشهر. اضطر يروح لمعمل التحاليل ويطلب سلفة من مديره، ومديره رفض لأن محمود واخد سلفة من شهرين!

في يوم، محمود نزل لأمه تحت، كانت فاطمة قاعد مع جارتها أم أحمد بيكلموا. أول ما أم أحمد مشيت، محمود قعد على الكنبة ورمى التليفون على الترابيزة وقال بنبرة ميتة:

“اديكي شفتي يا أمي.. المدرسة كلمتني النهارضة وبتقولي مصاريف الباص والباص القادم متأخرة، والسوبر ماركت رفض يديني بالآجل لأن مروة قفلت الحساب اللي كانت فتحاه عنده باسمها.. التصرف إيه دلوقتي؟ أقترض ولا أروح أستلف من الغرب؟”

فاطمة اتوترت، وشها جاب ألوان:

“وهي الهانم مابتدفعش مليم؟”

محمود صرخ بصوت مكتوم:

“ما بتدفعش! وقالتلي بالحرف: إنت الراجل والبيت مسؤوليتك، وأنا فلوسي لأبويا وأمي! شفتي النتيجة؟ شفتي لما سمحت لنفسي وأسمع كلام الناس ونعمل مشكلة على فلوس هي اللي تعبانه فيها؟”

فاطمة قامت وقفت والغضب أكلها:

“بقى كده؟ بتلوم أمك عشان كانت عايزة تحفظ كرامتك؟ ماشي يا محمود.. أنا هطلع أوريك الهانم دي مقامها إيه!”

طلعت فاطمة الشقة فوق، وفتحت الباب بالمفتاح النسخة اللي معاها. مروة كانت راجعة من الشغل تعبانة، وقاعدة في الصالة بتشرب قهوة ومسكة لاب توب شغلها.

فاطمة دخلت وعينيها بتطلع شرار:

“إنتِ فاكرة نفسك مين يا ست مروة؟ فاكرة إنك لما تزنقي ابني وتمنعي خيرك عن البيت إنك كده بتكسريه؟ ده بيتي وده ابن عمري، ولو فاكرة الشقة دي بتاعتك بجد، أعلى ما في خيلك اركبيه!”

مروة سابت فنجان القهوة بالراحة، وقفت بكل طولها وهدوءها المرعب، وبصت لـ فاطمة من فوق لتحت، وقالت بصوت هادي وزي الموس:

“أنا ما بكسرش حد يا حاجة فاطمة.. ابنيك هو اللي اختار يكسر بيته لما سمحلك تتدخلي في قرشي وتعبي. وحضرتك جيتي في الوقت المناسب تماماً.”

مروة سحبت ظرف أصفر من على الترابيزة ورمته قدام فاطمة على الكنبة:

#الكاتب_رومانى__مكرم__

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى