روايات وقصص

حكايات شروق خالد 1

رجعنا البيت، وأنا لسه حاسة برجفة الفرحة والفخر جوه قلبي من الموقف اللي حصل. أمي دخلت بالراحة، استندت على المشاية، وقعدت على كرسيها المفضل جنب الشباك اللي بيبص على الشارع.

قلت لها وأنا بحضر كوباية الشاي اللي بتطلبها كل يوم في المعاد ده:

ـ بجد يا ماما، اللي حصل النهارده ده كان معجزة! إزاي عرفتي تحولي الموقف بالشكل ده؟

ابتسمت أمي ابتسامة هادئة وبعيدة، وقالت وهي بتبص للكشكول القديم اللي حطته قدامها على الترابيزة:

ـ يا بنتي، اللي بيزرع حب في قلوب الناس، بيحصده وقت الشدة. حسام مكنش مجرد طالب عندي، ده كان واحد من ولادي اللي كنت بشوف في عيونهم بكرة رغم قسوة الظروف. الإنسان بيموت وبتنتهي أيامه، بس الأثر الطيب بيعيش ويمد إيده لصاحبه حتى لو بعد عشرات السنين.

قبل ما أرد عليها، سمعنا خبطة خفيفة على باب الشقة.

استغربت.. مين هيجيلنا في الوقت ده؟ فتحت الباب، وكانت المفاجأة!

كان واقف قدامنا “حسام”، بس مش بزيّ فرد الأمن، كان لابس لبس كاجوال منظم، وماسك في إيده بوكيه ورد جميل وعلبة شوكولاتة كبيرة، وجمبه شاب تاني عرفت بعدين إنه مدير السوبر ماركت.

أمي بصت لهم باستغراب لطيف، وقالت:

ـ حسام؟! خير يا بني، فيه حاجة ولا إيه؟

حسام نزل على ركبتيه قدام كرسيها تاني، ونزل دموع خفيفة من عينيه، بس المرة دي كانت دموع امتنان وسعادة، وقال بصوت متهدج:

ـ أنا قدمت استقالتي النهائية من السوبر ماركت يا أستاذة… الأستاذ محمود مدير السوبر ماركت عرض عليّا إدارة فرع جديد، ورفضت، وقررت أرجع لهدفي القديم اللي زرعتيه فيا زمان. أنا قدمت أوراقي عشان أرجع أخد دبلومة تربوية وأكمل طريقي في التعليم زي ما علمتينا.. وجاي أقولك شكراً للمرة التانية، لأنك أنقذتيني من نفسي ومن القسوة اللي كنت هضيع فيها.

مدير السوبر ماركت ابتسم وقال باحترام شديد:

ـ وأنا جيت مع حسام عشان أعتذرلك رسمي يا ست الكل، وأقولك إن السوبر ماركت بتاعنا بقى بيطبق قاعدة جديدة اسمها “احترام الكبار سر البركة”، وحسام هيفضل أخ لينا كلنا، وزيارة حضرتك لينا النهارده هي أسعد حاجة حصلت في تاريخ المكان.

أمي لمعت عينيها بالفرحة، ومدت إيدها الدافئة مسحت على راس حسام بحنان أم حقيقي، وقالت:

ـ هو ده حسام ابني اللي كنت بستناه كل يوم في الفصل.. الله يوفقك يا بني، ومفيش أجمل من إن الإنسان يصحصح ضميره ويرجع لطريقه الصحيح مهما تاوه.

قضوا معانا تقريباً نص ساعة، شربوا الشاي وتكلموا عن الذكريات القديمة وأيام المدرسة وبساطة زمان، وقبل ما يمشوا، حسام بص للكشكول القديم وقال:

ـ ممكن يا أستاذة أستعير الكشكول ده ليلة واحدة بس؟ عايز أكتب الصفحة الأولى من رحلتي الجديدة فيه.

أمي ابتسمت وناولته الكشكول بحب، وقالت:

ـ هو ملكك يا حسام، حافظ عليه زي ما حافظت على أمانتك قدام الناس كلها.

مشوا، وقفلت الباب وراهم، وبصيت لأمي لقيتها مغمضة عينها بارتياح وعليها ابتسامة رضا ماليّة وشها. قربت منها وحضنتها بقوة، وحسيت ساعتها إن التفاح واللبن وسوبر ماركت الحومة كله ما يساووش لحظة فخر واحدة عشتها جنب أعظم معلمة وأطهر قلب في الدنيا.

تاني يوم الصبح بدري، صحيت على صوت خبطة على الباب، بس المرة دي الخبطة كانت هادية ومرتبة.

بصيت في الساعة، لقتها لسه سبعة الصبح. استغربت مين ممكن ييجي في الوقت ده!

فتحت باب الشقة، وكانت المفاجأة للمرة التانية خلال يومين؛ بس اللي كان واقف على الباب مش حسام، دي كانت بنت في أوائل العشرينات، لابسة طقم رسمي أنيق، وماسكة في إيديها شنطة جلد شكلها قيم، وعينيها مليانة دموع فرحة.

بصت لي باهتمام وقالت بصوت متهدج:

ـ لو سمحتِ… هي دي شقة الأستاذة فاطمة عبد الحميد؟

رديت باستغراب:

ـ أيوه، مين حضرتك؟

قبل ما أخلص الجملة، لقيت البنت زاحتني برقة ودخلت الصالة تجري لحد ما وصلت قدام كرسي أمي اللي كانت لسه قاعدة بتشرب شايها بهدوء.

البنت وقعت على ركبتيها قدام أمي، وبكت بصوت عالي وهي ماسكة إيدين أمي بتقبلهما وتقول:

ـ يا أستاذة فاطمة… أنا دكتورة سارة… بنت “حسام”! بابا حكالي امبارح بالليل على كل حاجة حصلت في السوبر ماركت، وطلع الكشكول القديم بتاعك وقعد يعيط زي الأطفال وهو بيحكي لي إزاي وقفتِ جنبه زمان وإزاي أنقذتيه من الضياع!

أمي اتفاجئت في الأول، وبعدين ابتسمت بابتسامتها الحنونة، وطبطبت على كتف البنت وقالت:

ـ دكتورة سارة؟ ما شاء الله… قومي يا بنتي اقعدي، كوني هادية. حسام حكالي عن بنته الدكتورة، بس ما كنْتُش أتخيل إنك بالقمر والرزانة دي!

سارة مسحت دموعها وقالت وهي بتبتسم بفخر:

ـ بابا قال لي جملة مش هساها أبداً: “لولا الست دي، مكنش زماني إنسان، ومكنش زمانك دكتورة في جامعة القاهرة”. بابا بيحضّر أوراق دبلومته التربوية دلوقتي زي ما وعدك، وبعتني لسيادتك بالهدية دي نيابة عن العيلة كلها.

سارة فتحت الشنطة الجلد، وطلعت منها علبة قطيفة حمراء، وفتحتها قدام أمي. كانت مفاجأة ما تتوصفش؛ درع تذكاري مصنوع من الكريستال الخالص، ومكتوب عليه بحفر ذهبي فاخر:

“إلى معلمة الأجيال، وأم الضمير الحي.. الأستاذة فاطمة عبد الحميد. من بذر بذرة الأمانة فحصدنا بها الحياة. شكراً لأنكِ كنتِ النور في أتم الظلمات. عن ابنك حسام وعائلته.”

أمي بصت للدرع، ودموع السعادة لمعت في عينيها لأول مرة أشوفها بتأثر بالشكل ده. الست اللي قضت عمرها كله بتعطي بصمت ومن غير ما تنتظر مقابل، لقت ثمرة تعبها وعطائها بتيجيبها لحد باب بيتها على إيد بنت الطالب اللي أنقذته زمان.

قعدت سارة معانا، وشربت الشاي، وقالت إنها نزلت من البيت قبل ما تروح المستشفى عشان تلحق تشوف “جدتها الروحية” وتسلم عليها.

لما سارة مشيت، وقفت أمي قدام الشباك وهي سندا على المشاية، وبصت للسماء لفترة طويلة وهي ساكتة. قربت منها وحضنت كتفها، وسألتها بصوت هادي:

ـ بتفكري في إيه يا ماما؟ زعلانة من اللي حصل بتاع امبارح؟

بصت لي أمي بابتسامة واسعة ومشرقة، وقالت بصوت مليان رضا وسكينة:

ـ زعلانة؟! بالعكس يا بنتي… امبارح حسيت إن الستين سنة اللي قضيتهم في الفصل ما ضاعوش هدر. الإنسان لما بيخلص في شغله وبيربي بضمير، بيكتشف إن ربنا بينجيه في آخر أيامه بناس تحميه وتقدره. التفاح واللبن بقوا أرخص بكتير من الدرس العظيم اللي اتعلمته النهاردة… إن الطيبين ليهم دايماً عُملة نادرة بتبان وقت الضيق.

بعد زيارة الدكتورة سارة بكم يوم، الحياة في البيت رجعت لهدوئها الجميل، لكن ريحة الفرحة والبركة كانت لسه مالية المكان. أمي بقت قاعدة كل يوم جنب الشباك، كشكولها القديم محطوط قدامها على الترابيزة زي التاج، وكل ما تبص له تبتسم بهدوء وكأنها بتقرأ قصة حياتها صفحة صفحة.

في يوم خميس، سمعنا جرس الباب يرن برقة.

فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي قفلت باب الحكاية بأعظم شكل ممكن.

كان واقف قدامنا مجموعة كبيرة من الناس.. حسام ومعاه مراته، وبنته الدكتورة سارة، ومدير السوبر ماركت، ومعاهم كمان تلاتة من زملائهم القدامى في مدرسة النور اللي كانوا بيشتغلوا مع أمي زمان، وماسكين في إيديهم تورتة كبيرة وورود.

أول ما أمي شافتهم من مكانها، حاولت تقوم، لكن حسام جرى عليها بلهفة وقال:

ـ اقعدي يا ست الكل.. إحنا اللي جايين نزور الست تاج راسنا، ممنوع التحرك!

دخلوا كلهم الصالة، والمكان اتملى ضحك وكلام وذكريات جميلة. الزملاء القدامى قعدوا حوالين أمي، وكل واحد فيهم يحكي موقف قديم للأستاذة فاطمة وهي بتدافع عن طالب متعثر، أو بتصرف من جيبها عشان تجيب سندوتشات للأطفال اللي أهلهم فقرا.

واحد منهم بص لأمي وقال:

ـ يا أستاذة فاطمة، إنتِ طول عمرك معلمة مش بس في الفصل، إنتِ معلمة في الأخلاق والإنسانية. الموقف اللي حصل في السوبر ماركت ده مش صدفة، ده ثمرة سنين طويلة من الزرع النقي اللي زرعتيه في قلوبنا كلنا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى