روايات وقصص

حكايات اسما 3

وقفت متجمدًا في مكاني وأنا أسمع أصوات الطرقات الخفيفة تتردد على باب الشقة من جديد، كأنها دقات قلب متسارعة تخترق صمت المكان. دارت في عقلي مئات الأسئلة المتلاطمة: من يمكن أن يكون هنا في منتصف الليل؟ ومن عرف عنوان هذه الشقة السرية التي لم تفتح أبوابها لأحد سوايا وسواها؟

مشيت بخطوات بطيئة وحذرة نحو باب الشقة، ومددت يدي لأمسك بمقبض الباب وأديره ببطء شديد. فتحت الباب على مهل، لتتسع عيناي من شدة الصدمة والمفاجأة!

لم تكن طفلة جيران، ولم تكن أختها الراحلة كما سكن خيالي للحظة، بل كانت تقف على العتبة ممرضة عجوز تعمل في المستشفى، وعينيها تغرقهما الدموع، وفي يدها مظروف آخر يبدو أقدم بكثير من المظاريف السابقة.

نظرت إليّ الممرضة بصوت متهدج وخافت وقالت:

— أسفة يا دكتور إني جيت في الوقت المتأخر ده، بس الوصية الأخيرة كانت واضحة وصارمة.. وقالت لي بالحرف الواحد: “لو الدكتور وصل الشقة وفتح الغرفة، سلميه الظرف ده فورًا، لأنه بيحتوي على المفتاح الأخير والحقيقة اللي هتنور له باقي طريقه”.

مدت يدها بالظرف نحوي. أخذته وأنا بالكاد أستطيع التقاط أنفاسي من هول المفاجآت المتتالية التي لم تنتهِ بعد. فتحت الظرف بيدي المرتعشتين، وأخرجت منه ورقة قديمة مصفرة عليها رسالة بخط يدها تعود لأيامها الأولى في المستشفى، قبل أن نلتقي حتى، ومكتوب في أعلاها بخط عريض:

“إلى من سيكمل رسالتي.. هذا ليس النهاية، بل بداية الحياة.”

جلست على أول درجة بداخل الشقة، وبدأت أقرأ الكلمات التي سترسم ملامح الفصل القادم من حياتي، بينما نبضات قلبي تتسارع مع كل سطر جديد…

أخذت أنفاسًا عميقة وأنا أجلس على أدراج الشقة، والورقة المصفرة القديمة بين أصابعي، بينما الممرضة العجوز تقف صامتة تنظر إليّ نظرة مليئة بالشفقة والتقدير، ثم استدارت بهدوء ونزلت على الدرج تاركة إياي وحدي مع هذا السر الجديد.

أعدت نظري إلى الورقة القديمة، وبدأت أقرأ الكلمات التي كتبتها في الأيام الأولى لمرضها، بخط أقل ارتعاشًا وأكثر قوة وثباتًا:

“يا من ستفتح هذا الظرف بعد أن ينتهي كل شيء…

أعلم أنك تتساءل الآن عن سبب كل هذه الرسائل والمفاجآت، ولماذا صممت على أن أترك لك هذا الأثر العميق قبل أن أغادر. الحقيقة يا دكتور، أنني لم أكن أخشى الموت، بل كنت أخشى أن أنسى، وأن يمر وجودي في هذه الدنيا مرور الكرام كأنني لم أكن. كنت أريد لقصتنا أن تكون علامة فارقة في حياتك، لا كذكرى حزينة تبكيك، بل كشعلة تضيء لك عتمة الليالي الطويلة في المستشفى.

لكن ما لم أكتبه لك في الرسائل السابقة، وما احتفظت به حتى هذه اللحظة، هو أن الشقة التي تقف فيها الآن، والصندوق الذي فتحته، والمفتاح الأخير الذي بين يديك… ليست سوى جزء صغير جداً من وصيتي الحقيقية.

أنظر خلف الباب مباشرة، حيث يوجد درج سري في خزانة الحائط القديمة.”

رفعت عيني بسرعة، وتركت الورقة تسقط جواري، ونهضت بخطوات سريعة متوجهة نحو خزانة الحائط الخشبية الموجودة في ركن الممر. تحسست الخزانة بيد مرتجفة حتى وجدت مقبض الدرج السري، فدفعتُه للداخل ليصدر صوت نقرة خفيفة وينفتح الدرج عن آخره.

مددت يدي بحذر، فوجدت بداخله شيئًا لم تكن تتوقعه عقلي أبدًا:

مفتاح معدني ضخم وقديم، ومعه عقد رسمي موثق ومختوم باسمي، يحمل ملكية كاملة لدار أيتام طبية خيرية صغيرة تقع في أطراف المدينة، تحمل اسمًا محفورًا على لوحة رخامية بارزة: “دار بسمة للحياة”.

ومع العقد، كانت هناك رسالة أخيرة قصيرة، كُتب فيها بخط يدها العذب:

“هذه الدار هي كل ما تبقى من عائلتي، وهي الحلم الذي لم أستطيع تحقيقه بيدي. لقد كرست حياتي وميراثي لإنشاء هذا المكان ليكون ملجأ للأطفال المرضى والمحتاجين، واخترتك أنت لتكون الأب الروحي والطبيب المسؤول عنهم. أنت لست أرملًا حزينًا يا دكتور، أنت أب لمئات الأطفال الذين ينتظرون ابتسامتك التي تبقينا جميعًا على قيد الحياة. اذهب إلى هناك، وابدأ الحكاية الحقيقية.”

وقفت أطالع العقد والمفتاح الضخم في يدي، بينما غمرني شعور غريب وعميق بالسكينة. تجلت كل خيوط الحكاية أمامي، وأدركت أنني لم أفقد زوجة عمر فحسب، بل ورثت رسالة أبدية ستغير مجرى حياتي إلى الأبد.

مسحت دموعي التي كانت لآخر مرة تحمل طعم الفقد، واستبدلتها بابتسامة حقيقية تشبه ابتسامتها. ارتديت معطفي، ووضعت المفتاح العتيق في جبي، واستعدت للخطوة الأولى نحو قدري الجديد. وما إن خطوت خارج الشقة مغلقًا الباب ورائي، حتى تفاجأت بصوت مألوف ينادي اسمي من نهاية الممر المعتم…

التفتّ بسرعة نحو مصدر الصوت، وكان القلب ينبض بعنف وكأن الصدمات أبت أن تنتهي. في أواخر الممر المعتم، حيث ينعكس ضوء خافت من نافذة السلم، ظهرت شخصية مألوفة جدًا: إنه مدير المستشفى، الطبيب العجوز الذي طالما كان بمثابة الأب الروحي لنا جميعًا، وفي يده حقيبة جلدية صغيرة.

اقترب مني بخطوات هادئة، وعلى وجهه ابتسامة دافئة امتزجت بحزنه الدفين. وقف أمامي، ووضع يده على كتفي بحنان وقال بصوت هادئ:

— لم أكن أتوقع أن أراك هنا في هذا الوقت يا بني، لكنني كنت أعلم أنك ستصل إلى هذه النقطة عاجلاً أم آجلاً. أختها أخبرتني بكل شيء، وكانت توصياتها صارمة بأن أكون هنا لأتسلم معك آخر حلقة في هذه الملحمة.

نظرت إليه باستغراب وعيناي تملؤهما الأسئلة، فسحب حقيبة جلدية صغيرة من يده وقدمها لي قائلاً:

— هذه الحقيبة لم تكن مع الأخت، ولا في الدرج السري، بل تركتها في مكتبي بالمستشفى قبل وفاتها بأيام قليلة، وطلبت مني ألا أفتحها إلا إذا رأيت في عيونك أنك فهمت معنى رسالتها الحقيقية. والآن.. لقد رأيت ذلك في عينيك.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى