
كل ما يجيلنا عريس طالب الجواز كان يتقدم لاختي الصغيره ، لحد ما الرجل اللي تحت بيتنا طلب ايدي للجواز وكان اول واحد يجي عشاني ، اختي وقتها مقدرتش تمسك نفسها من الضحك ، بس اللي عمله معاها يوم كتب الكتاب خلاها لطمت خدودها ووقعت من طولها من الصدمه ؟؟؟
من سنين طويلة، أبويا اتصاب بالشلل النصفي وفقد القدرة على الحركة، والست اللي اتجوزها على أمي سابته وجريت من أول محنة، وراحت اتجوزت غيره ولا كأنها تعرفه.
وقتها أبويا ندم أشد الندم، ورجع لأمي الغلبانة اللي استقبلته بصدر رحب، وهي وأنا فضلنا معاه مسبناهوش لحظه
بس للأسف، طليقته سابت لنا بنتها هدير – أختي من ابويا– كانت عايشه معانا في البيت باعتبار انه بيت ابوها
هدير كانت بنت بتاعة مظاهر وبس…. كل قرش يجي في ايدها، سواء من مصروف أو مساعدة، كانت تصرفه على الكريمات، واللبس، والبرفانات الغاليه، وعايشة في البيت “آكلة وشاربه ونايمة ومرتاحة”، لا بتساعد أمها العيانة ولا بتخدم أبويا الطريح الفراش ولا بتقدم أي حاجة للبيت.
أما أنا؟ فكنت بشتغل في الصبح لليل، خياطة في مشغل، عشان أجيب دوا أبويا ولقمة عيشنا، وطول عمري مستحملة وقايلة معلش بكرة تهون.
بس اللي كان يوجع اكتر هو نظرة الناس ليا ..لاني قربت اتم الأربعين سنه ومفيش عريس واحد اتقدملي بقت كل الناس شيفاني مليش قيمه …واحده تأخرت في الزواج ستفضل مع اهلها طول العمر
كان كل ما عريس يتقدم الكل بيبقى عارف انه جاي طبعا لهدير …كل الشباب بينبهروا بجمالها ويجوا يطلبوها بالاسم و هي! كانت ترفضهم كلهم وتقول بكل غرور: “لسه بدري عليا
وكل ما عريس يمشي، تبص لي باستهزاء وتقول: “معلش يا نبيلة، بختك قليل، ابقي تعالي جربي حظك المرة الجاية”.
يوم ورا يوم، وسنة ورا سنة، وكلامها كان بينغز قلبي زي السكاكين، وكنت بسكت وأبلع عشان خاطر أمي وأبويا وما أعملش مشاكل. لحد اليوم اللي غير مجرى حياتي كلها.
كنت قاعدة في الصالة بصلح هدوم قديمة، وفجأة خبط الباب. فتحت، فلقيت قدامي شاب في الاربعين، وشه متبهدل، وملابسه مقطوعة باينة عليه قلة الحيلة والتعب. الشاب ده أنا كنت عارفاه كويس، كان بيقف كل يوم تحت البيت يمد إيده للناس ويتسول عشان يأكل ويشرب. وأنا كنت دايماً أشفق عليه، وكل ما أنزل أجيب طلبات، كنت أديله اللي فيه النصيب؛
لقيته بيبص في الأرض باحترام شديد وقال بصوت واطي
– “ممكن أكلم الحاجة يا ست نبيلة؟ أنا طالب الحلال، وجاي اطلب إيدك “.
وقفت متسمرة مكاني مش مصدقة وداني! أنا؟ معقوله للدرجادي وصل بيا الحال ان الرجل اللي واقف تحت البيت يجي يطلبني!
أمي اتصدمت أكتر مني بالي قاله، وقفت في نص الصالة مش عارفة تنطق حرف واحد. وهنا، خرجت أختي من أوضتها على دوشة الكلام، أول ما سمعت الحكاية وشافت المنظر، انفجرت بضحكة هيستيرية ومقدرتش تمسك نفسها، وقعدت تخبط وقالت بصوت عالي وهي بتموت من الضحك:
– “ههههه! وأنا أقول إنتي بورتي في البيت ليه يا نبيلة ومحدش بيعبرك! اتاريكي كنتي مستنيه نصيبك اللي يشرف ده! هههههه رجل الحارة يا نبيلة؟ والله لايقين على بعض أوي!”
أمي اتعصبت جداً وشها احمر من الغضب والخجل، بس مرضتش ترد عليها، لأننا عارفين طبعها كويس؛ أول ما بنكلمها بكلمتين تقعد تعيط وتعمل فيلم درامي وتقول: “علشان أنا قاعدة عندكم بتبهدلوني وتكرهوني في عيشتي”، وتهدد انها هتمشي ومحدش يعرفلها طريق.
أمي بلعت غيظها بصعوبة، وبصت للشاب اللي كان واقف مكسور الخاطر، وقالتله بصوت مرتبك ومتردد:
– “طيب يا ابني، احنا هنفكر في الموضوع ونرد عليك”.
أول ما الشاب مشي، أختي فضلت تضحك ضحك جنوني وهي داخلة اوضتها وقفلت الباب وراها
أمي قربت مني وبصتلي نظرة مليانة حزن ، وقالتلي:
– “أنا عارفة إن ده صعب عليكي يا بنتي، ومش هجبرك على حاجة أبداً.. بس فكري كويس. خدي نصيحتي يا حبيبتي، لو اتجوزتيه، يمكن تلحقي لك ستره قبل العمر ما يجري بيكي.. وأنا كمان نفسي اطمن عليكِ قبل ما أموت وأسيبك.. عشان خاطري فكري كويس”.
سابتني أمي واقفة في الصالة مصدومة، عقلي كان هيطير من كتر التفكير. صدمة كلام أمي، ووجع قلبي من طولة لسان أختي اللي مبتفوتش فرصة إلا وتعايرني بتقدم السن.. قعدت أفكر مع نفسي ساعات لغاية ما أخدت القرار: أي حاجة أرحم من نظرات الناس ليا! أنا هتجوز الشاب ده.
وفعلاً، تمت الإجراءات بسرعة وبدون دوشة، وعملنا كتب الكتاب على الضيق جوه البيت، مفيش حضور غير أمي وكم خال لينا وقرايب قريبين جداً .
جه العريس يوم كتب الكتاب، ودخل الصالة، وكان لابس بدلة قديمة مهلهلة جداً، البنطلون بلون والجاكت بلون تاني خالص ملهمش علاقه فعلا ببعض، وشكله كان مضحك فعلاً للي يشوفه والكل بقم يحاولو ميضحكوش عشاني.
أختي أول ما شافته بالمنظر ده، كالعادة، مقدرتش تسيطر على نفسها، وانفجرت بضحكة عالية وهي بتشاور عليه باستهزاء قدام الكل.
لكن العريس.. بصلها نظرة جامدة غريبه واتقدم ناحيتها بخطوات ثابتة.. واللي عمله بعدها خلى أختي لطمت خدودها ووقعت من طولها من شدة الصدمة!!!!!!
“ضحكتي كتير يا هانم.. بس النهاردة ضحكتك دي هي اللي هتكون آخر صدمة في عمرك.”
قالها الشاب بصوت هادئ تماماً، لكن نبرته كان فيها قوة وثبات غريبين، كأنه مش هو الشخص المكسور اللي كان بيمد إيده تحت البيت من أيام.
كل اللي في الصالة انتبهوا، وأمي وقفت بقلب مقبوض مش فاهمة في إيه. أما هدير، فبصتله باستخفاف وقالت بصوت متهكم:
“أقول إيه للرجل؟ جاي تعمل فيها سي السيد وأنت مش لاقي حق تمن بدلتك المترقعة؟ لم لسانك واقعد اتستر على روحك أحسن لك!”
هنا، العريس مد إيده في جيب الجاكت المهلهل ده، وطلع مفتاح عربية فارهة وبطاقة شخصية وورقة رسمية، ورماهم بهدوء على الترابيزة اللي قدام الكل، وقال بصوت عالي وواضح:



