
الجزء الثالث بعد ما حصل الطلاق وعدت الأيام، كنت بحاول أرمي ورا ضهري كل تفاصيل الفترة القصيرة دي وأركز في مستقبلي وكلية تجارة اللي كنت خلاص في سنتها الأخيرة. ماما كانت سند ليا، وكل ما كنت بفتكر أيام شهر العسل وضحكته الباردة وأسرار الشقة، كنت بحمد ربنا ألف مرة إن ربنا نجاني من عيشة كنت هدفع فيها عمري كله تمن لواحد مبيعرفش معنى الأمان.
بس الدنيا دايماً بتبطن لينا مفاجآت تانية.
بعد الطلاق بحوالي سبع شهور، كنت في الكلية قاعد مع صاحبتي المقربة “سارة” في الكافتيريا بنراجع محاضرة، ولقيت تليفوني بيرن برقم غريب ملوش اسم. في الأول طنشته، بس الرقم رجع رن تاني وتالت بإلحاح.
فتحت الخط وقلت بصوت جاد:
“ألو، مين معايا؟”
جاوبني صوت نسائي مش غريب عليا، صوت كان فيه نبرة توتر وكسرة واضحة:
“أنا ريهام يا ندى… أخت شريف.”
الجسم كله اتجمد مكاني. ريهام! أخت شريف اللي كانت سبب رئيسي في دمار بيتي واللي كان بيحطها فوق كل اعتبار! إيه اللي يخليها تكلمني بعد الفتره دي كلها ومنين جابت رقمي أساساً؟
سكت لحظات قبل ما أرد بصوت ناشف:
“أهلاً يا ريهام… خير؟ في حاجة تخص شريف؟”
سمعت صوت شهقة خفيفة منها وهي بتقول بصوت مكسور:
“أرجوكِ يا ندى… أنا متأسفة ليكي ألف مرة على كل حاجة حصلت زمان، وعارفة إني ماليش عين أكلمك بعد اللي عملناه معاكي، بس أنا في ورطة كبيرة ومشلاقيش حد أللجأ له غيرك… أرجوكِ اسمعيني، الموضوع مصيري ويخصك أنتِ كمان!”
قلت بحدة وغضب حاولنا أكتمه:
“يخصني أنا إيه يا ريهام؟ أنا شطبت الصفحة دي من حياتي نهائي، وشريف ده بقى شخص غريب، فلو سمحتي وفري كلامك ومش فاضية للكلام ده.”
قالت بسرعة وهي بتعيط:
“لا يا ندى، اسمعيني دقيقة واحدة والنبي! شريف اتمسك في قضية نصب كبيرة وفي خطر حقيقي يدخل السجن، والسبب في ده كله… الشقة اللي كان كاتبها باسمي!”
الكلمة خلتني أقف مكانى في الكافتيريا وسط زحمة الطلبة.
سألتها بصدمة:
“شقة إيه؟ وقضية نصب إيه؟ فهميني بالراحة من غير لغوصة.”
ريهام كملت كلامها وهي منهارة:
“تفتكري لما كنت بقوله خايف مراتك تسيب لك البيت وتمشي؟ مكنش خايف بس عشان الطلاق، شريف كان واخد قروض وفلوس بالهبل من ناس شراكات في السوق بضمان الشقة دي وبأوراق مزورة عِلم منها إنها ملكي بس هو اللي بيديرها، ودلوقتي الشركاء دول بلغوا عنه والشرطة اتحفظت على الشقة والفلوس، وشريف هارب ومطارد، ولو متدخلتيش وساعدتينا نشهد بالحق إن العقود دي كان فيها تلاعب وإنك كنتِ على مطلع بحاجات، هو ممكن يضيع خالص!”
قعدت على الكرسي وأنا حاسة برعشة في إيدي. بصيت لسارة اللي كانت متابعة بذهول، وبعدين رجعت للموبايل وقلت ببرود وصوت قاطع:
“شريف ضاع ولا دخل السجن دي حاجة تخصه وحده وتخصك أنتِ اللي كنتِ شريكة معاه في طمعه وخبثه. جايين دلوقتي تفتكروني لما الطين وقع فوق راسكم؟ هو لما كان مخبي عني أملاكه وكاتبها باسمك عشان يحرمني من حقي، مكنش بيفكر فيا ثانية واحدة! دلوقتي راجعة تقوليلي تعالي انقذينا؟ اسفة يا ريهام، أنا لا هساعده ولا ليا دعوة أصلاً باللي يجراله. الخراب اللي هو زرعه بإيده، يشربه لوحده.”
وقبل ما تسمع ردي أو تلحق تقول كلمة تانية، قفلت الخط في وشها وعملت بلوك للرقم نهائي.
سارة بصت لي وقالت بصوت مذهول:
“يا نهار أبيض! هو ده اللي كان جوزك؟ ده طلع شيطان مش بني آدم!”
ابتسمت بمرارة ومسحت دمعة نزلت غصب عني، وقلت لها:
“الحمد لله يا سارة إن ربنا نجاني بدري وعوضني بقوتي وبنفسي. الفلوس والشقق والألاعيب بتروح وتيجي، بس الأمان والكرامة هم الحاجات الوحيدة اللي ملهاش تمن.”
مرت الأيام والشهور، ووصلتني أخبار إن شريف فعلاً اتحاكم ودخل في قضايا مالية كبيرة، وأخته سابت الشقة وضاعت منها الفلوس اللي كانت فرحانة بيها، ورجعوا لنقطة الصفر وزي ما بيقولوا: “اللي طمع في مال الحرام، ما بيباتش فيه”.
أما أنا، فتخرجت بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وتعينت في وظيفة محترمة جداً في بنك كبير، وبقيت أملك استقلالي المادي والمهني، والأهم من ده كله، إني بنيت نفسي من جديد من غير ما أحتاج لأي راجل يبخل عليا أو يحسسني إني عبء عليه. عرفت ساعتها إن اختيار شريك الحياة هو أهم قرار في الدنيا، وإن الغلطة في الأول بتنقذها الشجاعة في النهاية.
الجزء الخامس (قبل الأخير)
رجعت للبيت بعد مقابلة شريف وأنا حاسة إن جبل تقيل اتقلع من على صدري. مشاعر الشفقة اللي حسيتها تجاهه في الأول مكنتش ضعف مني، بل كانت دليل على إن قلبي نقي ولسه فيه إنسانية، بس نضجي منعني أتأثر بالمنظر أو أرجع لورا خطوة واحدة.
دخلت شقتي الهادية والمرتبة، وفتحت الشباك عشان يدخل هواء نضيف، وقعدت أشرب كوباية قهوة وأنا بفكر إزاي الأيام بتقلب موازين البشر، وإزاي البخل والطمع بيكسروا أصحابهم قبل ما يكسروا أي حد تاني.
وفجأة تليفوني رن، وكان رقم الكلية.
فتحت الخط وأنا مستغرب الميعاد المتأخر ده، لقيت دكتورة منى، رئيسة القسم اللي كنت بشتغل معاه وأنا معيدة في الكلية، بتقولي بصوت مليان حماس:
“ازيك يا ندى يا حبيبتي؟ منورة دايماً. بصي يا سيتي، فيه منحة دراسية وماجستير ممول بالكامل في إدارة الأعمال تبع بروتوكول تعاون بين البنك اللي شغال فيه وجامعة أوروبية كبيرة، واسمك كان مترشح من الأوائل بفضل تفوقك وشغلك الفترة اللي فاتت، ومحتاجين نخلص أوراق السفر خلال شهر.”
الكلمات نزلت عليا زي الحلم الجميل. منحة! وسفر! وأوروبا! وشغل بيقدر تعبي وإمكانياتي من غير ما حد يحسبني على قرش!
قلت بصوت متهدج من الفرحة:
“بجد يا دكتورة؟ أنا مش مصدقاني! ده حلم حياتي.”



