
وصل للبيت قبيل الفجر عشان يلم شنطه، والبيت كان ساكت زي . أمه وأخته كانوا قاعدين في الصالة، يبصوا له بنظرات مكسورة وفيها كمية أسف على حاله. ما حدش فتح بوقه بكلمة. هو دخل أوضته، رمى في الشنطة بقسوة، وكان كل ما يمسك حتة من حاجته، يفتكر كلمة طارق: “أنت اللي هتفضل معلق بين أحقادك طول عمرك.”
الكلمة كانت بتنزل على دماغه زي الزيت المغلي. عقله مش قادر يهدا. غروره الكذاب كان جواه وبيقول له: “هتسافر كده؟ هترجع السعودية مكسور العين والناس هناك تسألك عملت إيه مع مراتي اللي سبتها معلقة، تقول لهم اتخلعت مني من أربع سنين واتجوزت جاري وخلفة طفلين وأنا طلعت ولا حاجة؟!”
الفكرة دي لوحدها كانت كفيلة تخلي يغلي في عروقه من جديد. الشر ما انتهى جوا، بل اتحول لشيء أشد وألعن؛ اتحول لرغبة انتقامية عمياء مالهاش أي علاقة بالقانون ولا بالشرع ولا بالعقل.
طلع من الأوضة وشال الشنطة. أمه قامت وقفت بالعافية، وقربت منه بصوت بالدموع:
“يا بني… سافر وربنا يهديك. انسى اللي فات، واستغفر ربنا على الظلم اللي ظلمته للست دي. ابدأ صفحة جديدة في شغلك وعيش حياتك، ربنا يرزقك بنت الحلال اللي تصونك وتصونها. بلاش بقية عمرك في الغل.”
بص لأمه بعيون جافة كالحجر، وما ردش عليها بكلمة واحدة. سحب شنطته وخرج من الباب، ونزل الشارع اللي كان لسه ضلمة والشمس تبدأ تشرق بشويش.
أخد عربية أحاديث وطلع على مطار القاهرة. طول السكة، بدال ما يراجع نفسه أو يقرأ سورة من القرآن تهدي النار اللي في قلبه، كان قاعد يمسك تليفونه ويقلب في صفحات التواصل الاجتماعي، لحد ما وصل لصفحة المهندس طارق العامة.
فتح الصفحة… وشاف اللي كملت على اللي باقي من عقله!
طارق كان منزل صورة جديدة قبل ساعات قليلة، وهو في مطار القاهرة مع مراته وولاده الاثنين، وكاتب فوق الصورة:
“الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات… انتهاء إجازتنا الجميلة في مصر، والعودة إلى قطر مع أم أولادي وحبيبتي. ربنا يديم علينا النعمة ويحفظنا من كل وحاسد.”
الصورة كانت واضحة جداً. الست كانت واقفة جنب طارق، شايلة الطفل الصغير، وطارق شايل البنت، والابتسامة مالية وشهم. ملامحها كانت مرتاحة، ناعمة، ومختلفة تماماً عن الصورة اللي كانت في خياله لست “مكسورة ومقهورة ومستنية تلفونة”!
الزوج القديم صرّ على أسنانه لحد ما كان هيتكسروا. ضرب التليفون في الكرسي اللي جنبه مكتوم خرج من صدره.
عرف إنهم في المطار في نفس الوقت!
عرف إن طيارتهم لقطر ممكن تكون في نفس صالة السفر أو في ميعاد قريب من طيارته للسعودية!
القدر جابهم في نفس المكان وفي نفس التوقيت، والشيطان حط في دماغه الفكرة الأخيرة: “دي فرصتي الأخيرة… مش هخليهم يركبوا الطيارة مبسوطين. لو أنا حياتي اتدمرت وكبريائي اتكسر، لازم أعكر عليهم صفو حياتهم وأعمل لهم مصيبة تدمر سفرهم ده!”
وصل مطار القاهرة، وبدأ يدور زي المجنون في صالات السفر. دخل صالة الترانزيت بعد ما خلص الإجراءات الأمنية بالسرعة الممكنة. عينيه كانت زي الرادار، بتمسح كل زاوية، كل مطعم، وكل كافيه في الصالة.
وبعد نص ساعة من اللف والتدوير، شافهم!
كانوا قاعدين في كافيه هادي قريب من بوابة السفر المتجهة للدوحة. طارق كان بيجيب عصاير ولادهم، وهي قعدة بتعدل هدوم البنت الصغيرة وتضحك معاها.
الزوج القديم حس إن رجله بتشيله بالعافية. الدموية غطت عينيه. مشي ببطء وهو بيحط إيده جوه الشنطة الصغيرة اللي شايلها على كتفه. كان شاري قبل ما يدخل المطار أداة حادة صغيرة (مشرط مكتب) من سبرماركت بره، ومخبيه في جيب الشنطة الداخلي!
عقله المريض صور له إنه يدخل عليهم، يضرب طارق في وشه أو يضربها هي عشان يترك علامة أو تشويه يخليهم يفتكروه طول عمرهم، وما يتهنوش بحياتهم أبداً!
بدأ يقرب منهم بخطوات سريعة وثقيلة…
خمسة متر…
ثلاثة متر…
رفع إيده ودخل جيب الشنطة عشان يسحب المشرط، وعينيه مثبتة على ظهر طارق اللي كان مدي له ظهره وبيستلم العصائر من الكاشير.
وفي اللحظة اللي خلاص كان هيجم فيها ويصرخ…
طارت إيد قوية جداً من وراه، ومسكت معصم إيده بعنف شديد!
قبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل، اتفاجئ برجلين ضخام بملابس رسمية (أمن المطار والشرطة السرية) محوطينه من كل اتجاه!
واحد منهم أخد الشنطة منه بسرعة وسحب المشرط من إيده في ثواني معدودة، والثاني كتف دراعاته ورا ظهره وضغط عليه بقوة!
الزوج القديم صرخ بذهول ورعب:
“أنتم مين؟! سيبوني! أنتم بتعملوا إيه؟! أنا مسافر السعودية! أنا ما عملتش حاجة!”
الضابط الكبير قرب منه وبص له بصرامة وجمود:
“اثبت مكانك يا شاطر! إحنا مراقبينك من أول ما دخلت الصالة! سلوكك المريب ومراقبتك للعيلة دي والتصوير اللي كنت بتصوره من بعيد لفت نظر كاميرات المراقبة والأجهزة الأمنية جوه المطار. وأول ما حطيت إيدك في الشنطة وبدأت تقرب منهم بطريقة هجومية، التصرف كان فوري!”
الصوت والعياط والهرج اللي حصل خلا الناس في الكافيه يلتفتوا.
طارق ومراته قاموا وقفوا بذهول عشان يفهموا في إيه.
أول ما الست شافت الزوج القديم متكتف بين إيدين شرطة المطار والأغلال في إيده والمشرط في إيد الضابط، شهقت وحطت إيدها على بوقها ورجعت لورا وخبت ولادها ورا ظهرها.
طارق قرب بخطوات واثقة وبص للضابط وقال:
“في إيه يا فندم؟ الراجل ده بيعمل إيه هنا؟”
الضابط رد على طارق:
“يا باشمهندس، الراجل ده كان بيتتبعكم ومسكناه متلبس بأداة حادة وكان جلي هجوم عليكم في الصالة. هل في بينكم وبينه أي سابق معرفة أو خصومة؟”
طارق بص للزوج القديم اللي كان وافق يرتعش ووشه أصفر زي الميت، وكل الغرور والعظمة اللي كانوا فيه اتمسحوا وبقى زي الفار المحبوس في مصيدة.
طارق بص للضابط بكل هدوء وثبات وقال:
“أيوه يا فندم… ده الزوج السابق لزوجتي. وم طلاقهم وتم الخلع من أربع سنين بالقانون. ومن يوم ما عرف بإجازتنا وهو بيبعت إنذارات كيدية وبيطاردنا وبيتهجم علينا.”
الزوج القديم صرخ وهو بيحاول يتملص من إيد الضباط:
“يا باشا ده كذاب! هما اللي يستغفلوني! هما اللي سرقوا حياتي! أنا كنت عايز آخد حقي بس!”
الضابط ضربه على كتفه بقوة وقال له:
“اخرس خالص! تاخد حقك بالسلاح في صالة ترانزيت في المطار؟! أنت فاكر نفسك فين؟!”
التفت الضابط لطارق وزوجته وقال لهم:
“أتفضلوا معانا يا باشمهندس على مكتب شرطة المطار عشان نعمل محضر محاولة اعتداء بسلاح أبيض وتتبع وتهديد، والتلبس ثابت بكاميرات المراقبة والأداة المفقودة.”
طارق بص لساعته، شاف إن ميعاد طيارتهم للدوحة باقي عليه نص ساعة بس.
بص طارق لزوجته، شاف في عينيها الخوف والقلق إن سفرهم يتأخر أو ولادهم يتعبوا في المخابر والتفتيش.
طارق أخد نفس عميق، وبص للضابط وقال بقرار غير متوقع بالمرة:
“يا فندم… إحنا طيارتنا باقي عليها نص ساعة ورجوعنا لقطر مرتبط بشغل ومواعيد طيران أطفال. أنا مش حابب أضيع وقتنا ولا أعطل أسرتي في محاضر وقضايا مع شخص انتهى من حياتنا تماماً. المحضر والتلبس والأداة والكاميرات معاكم. أنا بقدم بلاغ رسمي بعدم التعرض وإثبات حالة بالتعدي، وبطلب تحفظكم عليه وإحالتهم للنيابة العامة بتهمة حيازة سلاح ومحاولة اعتداء، لكن أنا وأسرتي هنركب طيارتنا وهنسيب القانون ياخد مجراه معاه بدون ما نضيع دقيقة واحدة من وقتنا عليه!”
الزوج القديم اتصدم!
كان متوقع إن طارق هيتشرس وهيستغل الفرصة عشان يدخله السجن ويحضره سين وجيم ويخليه يفوت الطيارة، لكن طارق بقرار واحد، أثبت له للمرة الألف إنه ولا حاجة! إن وجوده أو غيابه، سجنه أو حريته، مش مستاهلين حتى إن طارق وزوجته يضيعوا نص ساعة من وقتهم عشان يقعدوا في مكتب شرطة يشتكوه!
الضابط هز رأسه بتفهم واحترام لطارق:
“حقك يا باشمهندس. إجراءاتكم سفركم مستمرة عادي جداً. إحنا هنفرغ الكاميرات وتحرز الأداة، والتهمة ثابتة عليه بتهمة التلبس بحيازة سلاح وإثارة الشغب في مكان حيوي وتهمة التهديد، والنيابة هي اللي هتحقق معاه وتحبسه.”
بص طارق للزوج القديم، وقرب منه خطوة واحدة بس.
الزوج القديم كان باصص للأرض، دموعه بدأت تنزل من الذل والخوف من السجن واللي هيحصل فيه.
طارق قال له بصوت واطي جداً عشان محدش يسمعه غيره:
“كنت فاكر إنك لما تسيبها معلقة عشر سنين، هتبقى حبستها؟ شفت مين فينا اللي اتحبس في الآخر؟ أنت اللي حكمت على نفسك بالسجن والفضايح. اتفضل بقا قضي الكام سنة الجايين في النيابة والمحاكم، عقاباً لك على كل لحظة ظلم عملتها.”
لف طارق وشه، مسك إيد زوجته، وشال بنته، ومشيوا بكل هدوء وثبات ناحية بوابة السفر.
الزوجة حتى ما كلفتش نفسها تلف تبص عليه وهي ماشية. دخلوا النفق المؤدي للطيارة، واختفوا تماماً.
أما الزوج القديم…
فالضباط سحبوه من إيديه قدام الناس كلها في صالة المطار، الشنط بتاعته اترميت في الأمانات، وسحبوه على كرسي التخشيبة في مكتب شرطة المطار.
قعد على الأرضية الساقعة، الكلبشات في إيده، والتليفون بتاعه مقفول.
المصيبة اللي كان فاكر إنها هتحصل لطارق ولزوجته، وقعت فوق دماغه هو لوحده!
طيارته للسعودية طلعت وطارت من غيره…
وشغله في الكفيل هناك بقى في خطر حقيقي لأنه ما وصلش في ميعاده…
وأهله في البيت جالهم الخبر إن ابنهم مقبوض عليه في المطار ومحول للنيابة بتهمة الشروع في اعتداء وسلاح أبيض!




