
قضى ليلته في التخشيبة بين المجرمين والخارجين عن القانون.
وكان كل ما يغمض عينيه، يشوف شريط حياته:
يفتكر يوم ما قال لأهله بغرور: “خليها معلقة عشر سنين، مش هتعرف تتجوز ولا تعيش!”
يفتكر ضحكته الاستعراضية يومها…
ويقارنها بوضعه دلوقتي وهو مكلبش ومحمي في الزنزانة، والست اللي كان عايز يعلقها، طايرة دلوقتي في السحاب، راجعة بيتها المكرم المكفول في الدوحة جنب زوج بيصونها وولاد بيملا حياتها الفرح.
لكن القصة ما انتهت عند التخشيبة دي…
لأن لما النيابة حققت معاه وصدر حكم ضد بوقف التنفيذ مع الغرامة والترحيل، واكتشف إن الشركة في السعودية فسخت عقده بسبب غيابه…
قرر بعد ما خرج من النيابة يرجع السعودية بأي طريقة عشان يلم اللي باقي من فلوسه ونشاطه acolo…
لكن اللي ما كانش يخطر على باله إطلاقاً… إن مفاجأة ثانية كبرى كانت مستنياه في السعودية، مفاجأة هتغير مجرى حياته وهتقلب الطاولة عليه من المكان اللي ما كانش يتوقعه أبداً!
خرج من مبنى النيابة بعد أيام عصيبة عاشها بين التخشيبة ومكاتب التحقيق. خرج بكفالة وغرامة مالية ضخمة أكلت كل ما كان حيله من سيولة، وحكم مع وقف التنفيذ بيهدده بالسجن الفوري لو ارتكب أي حماقة جديدة. كان ماشي في الشارع زي الخيال، هدومه متبهدلة، دقنه طالعة، وعينيه زايغة من السهر والذل.
رجع بيت أهله، لكن الدخول المرة دي ما كانش زي كل مرة. ما كانش فيه الراجل المغرور صاحب “القرارات” و”السيادة”. أمه وأخته استقبلوه بدموع مكتومة وبصمت تقيل كأنه جثة ماشية على الأرض. أخته حسامته الشنطة القديمة وقالت له بصوت جاف خالٍ من أي عاطفة:
“شركة السعودية بعتت لك إيميل وفاكس على عنوان البيت هنا… فسخوا عقدك بصفة رسمية بسبب انقطاعك عن العمل، وألغوا الكفالة. قدامك أسبوع واحد بس تسافر فيه تلم حاجتك وتسفي حساباتك وتخرج نهائي من البلد، وإلا هتعمل لك منع من الدخول وبلاغ هروب.”
النزلات كانت بتنزل على دماغه واحدة ورا الثانية. الشغل اللي قعد يجمع فيه سنين، المكانة المادية اللي كان بيباهي بيها الناس، والفلوس اللي كان فاكر إنها بتديه الحق يظلم ويعلق ويتحكم… كل ده اتهاوى في لحظات.
لم باقي فلوسه بالعافية، وحجز تذكرة اتجاه واحد للسعودية عشان يلم كراكيبه ويرجع، وهو عارف إن الرجوع المرة دي هيبقا بلا عودة.
طول الساعات في الطيارة، كان حاسس إن السفرية دي مختلفة. زمان كان بيسافر وهو حاسس إنه “البطل” اللي سايب وراه ست معلقة بيعاقبها، دلوقتي مسافر وهو مطرود، مكسور، وحياته كلها انفرطت زي عقد مخروم.
وصل الرياض، وخرج من المطار على الشقة اللي كان مأجرها مع أصحابه وزملاؤه في العمل.
أول ما فتح باب الشقة بالفتح، كانت الصدمة الكبرى في انتظاره!
أصحابه اللي كانوا قاعدين في الصالة سكتوا فجأة أول ما شافوه. النظرات ما كانتش نظرات سلام أو شفقة… كانت نظرات فيها ذهول، واشمئزاز، واندهاش!
واحد من أصحابه القريبين منه قام وقف وقرب منه وقال له بنبرة ناشفة:
“حمد الله على السلامة يا… يا أستاذ.”
الزوج القديم استغرب طريقة الكلام:
“في إيه يا جماعة؟ مالكم تبصوا لي كده ليه؟ فيه إيه حصل في الشركة؟”
صاحبه التاني مسك تليفونه، وفتح فيديو، ورفعه قدام وشّه وقال له بصوت حاد:
“الشركة مش هي المشكلة… المشكلة في ده! أنت فاكر إن اللي عملته في مطار القاهرة فضيلة ومحدش هيعرف عنه حاجة هنا؟”
الزوج القديم اتجمد في مكانه وهو بيشوف الشاشة!
الفيديو كان مقطع متصور من كاميرات المطار أو من تليفون حد من المسافرين، نازل على صفحات التواصل الاجتماعي وسوشيال ميديا الجالية المصرية في السعودية وقطر، ومكتوب تحته بالخط العريض:
«لحظة القبض على زوج سابق حاول الاعتداء على أسرة مهندس مصري ومعه أداة حادة في مطار القاهرة بعد أربع سنين من خلع زوجته منه بسبب ظلمه لها!»
الفيديو كان جايبه وهو مكلبش ومسحوب من الأمن زي الفأر المبلول، وطارق واقف بمنتهى الثبات والوقار بياخد أسرته وبيركب الطيارة! التعليقات تحت الفيديو كانت بالآلاف؛ كلها دعوات عليه، فضايح، وسخرية من عقليته المريضة اللي وصلته للدرجة دي من الهوان.
صاحبه بص له وقال له بقسوة:
“المدير في الشركة شاف الفيديو ده من أسبوع يا فندم! ده غير إن الأخبار وصلت للكل هنا. أنت مش بس ضيعت نفسك، أنت فضحتنا معاك! المدير قال نصاً: ‘إحنا مش بنشغل معانا ناس مرضى ومجرمين بيهددوا الأبرياء في المطار’. عشان كده الفسخ كان فوراً ومن غير حتى ما يستنوك توضح موقفك!”
الزوج القديم مسك رأسه، وكان حاسس إن الأوضة بتلف بيه. السمعة اللي حاول يبنيها في الغربة راحت. الصورة اللي كان بيترسم بيها قدام زمايله كراجل “صارم ومسيطر”، بقت صورة لراجل مجنون ومحبوس ومطرود من شغلانه!
قعد على أقرب كرسي وهو بيترعش:
“أنتم… أنتم مش فاهمين حاجة! الست دي خدعتني، اتجوزت من ورايا، والمحكمة…”
صاحبه قطعه بصرامة وصرخ في وشّه:
“بس! بطل كذب وبطل أوهام بقا! المحكمة ما خدعتكش، أنت اللي رفضت تطلقها بالمعروف ورفضت تديها حقوقها وسبتها معلقة فاكر نفسك إله بترسم أقداره! القانون خد لها حقها ورجعت عاشت حياتها بالحلال مع راجل يصونها. أنت اللي جيت في الآخر عايز تخرب حياتها بالسلاح والشر! اتقِ الله يا أخي واستحِ على نفسك!”
الكلام كان زي الرصاص. ما حدش من أصحابه رضي يقعد يتكلم معاه أو يقدم له كوباية مية. كلهم سابوه ودخلوا أوضهم، وكأن وجوده بقا وصمة عار خايفين تطالهم.
دخل أوضته الصغيرة، فتح دولابه وبدأ يلم هدومه وحاجته في شنط كبيرة. كان بيلم شقا أربع سنين في السعودية، أربع سنين اشتغل فيهم وهو فاكر إنه يبني مستقبله وهي قاعدة تبكي، واكتشف في الآخر إنه كان بيبني قصور من رمل، وهي بنت حياتها على أرض صلبة من الحق والكرامة.
وهو بيقلب في الأدراج، لقى دفتر قديم كان كاتب فيه زمان أول ما سافر السعودية. فتح الدفتر، ولقى جملة كان كاتبها بخط إيده يوم ما اختلف معاها وقرر يسيبها معلقة:
“سأجعلها تعيش في سجني، ولا تر حرة إلا بإذني.”
قرا الجملة دي، وبص لنفسه في المراية اللي قدامه.
شاف راجل وشّه شاحب، عينيه مطفية، شعره شاب من الهم، وخسر شغله وسمعته وكرامته، ومطلوب منه يغادر البلد خلال أيام كشخص غير مرغوب فيه.
ضحك ضحكة هستيرية ممتلئة بالمرارة، ومسك القلم وشطب على الجملة القديمة وكتب تحتها:
“دخلت السجن الذي بنيته لها، وخرجت هي إلى النور.”
تاني يوم الصبح، نزل على مكتب العمل والشركة عشان ينهي أوراق الخروج النهائي.
وهو واقف في الدور الأخير بالمبنى، بيستلم ورقة المغادرة والتحويل المالي المتبقي له، التليفون في جيبه رن.
كان رقم غريب من قطر!
قلبه دق بقوة. إيده اترعشت وهو بيمسك التليفون. افتكر إن ممكن تكون هي، أو يمكن طارق بيتصل يكمل عليه أو يبلغه بحاجة جديدة.
فتح الخط بصوت مبشوح وتردد:
“ألو…؟”
جاله الصوت من الناحية الثانية… ما كانش صوت طارق، ولا كان صوت الزوجة.
كان صوت راجل كبير في السن، نبرته فخمة وهادية جداً، بيتكلم باللهجة الخليجية:
“السلام عليكم… أنت الأستاذ (فلان)؟”
رد وهو بيلهث:
“أيوه أنا… مين حضرتك؟”
الراجل قال له:
“أنا الشيخ عبد العزيز… كفيل المهندس طارق ورئيس الشركة اللي بيشتغل فيها في الدوحة.”
الزوج القديم اتصدم، وجمك لسانه:
“كفيل طارق؟! أنت بتكلمني ليه؟ هما اشتكوني عندك كمان؟! عايزين مني إيه تاني؟!”
الشيخ عبد العزيز أخد نفس هادي، وقال بصوت مليان حكمة ووقار:
“يا ابن الناس… لا طارق اشتكاك، ولا زوجته طلبت مني أكلمك. طارق راجل فاضل ونبيل، ولما رجع من إجازته، شفت في وشّه ووش زوجته أثر التعب والإرهاق، ولما سألته أخوياً، حكى لي القصة كلها بالكامل… من أول ما سيبت الست معلقة، لحد اللي حصل في مطار القاهرة.”
الزوج القديم صرخ بغل:
“وده يخصك في إيه؟! بتتصل بيا ليه دلوقتي؟ عشان تشتم فيا أنت كمان؟!”
الشيخ عبد العزيز رد عليه بنبرة غيرت كل موازين اللحظة، نبرة فيها قوة وحزم خلته يسكت فوراً:
“أنا بكلمك عشان أقول لك كلمتين لازم تسمعهم قبل ما تركب طيارتك وترجع مصر مكسور… طارق لما حكى لي، ما حكاش بشماتة ولا بقلة أصل. طارق طلب مني بصفة شخصية إننا ما نرفعش عليك أي قضية تعويض أو ملاحقة قانونية في السعودية أو قطر بعد اللي عملته في المطار، وقال لي كلمة واحدة: ‘يا شيخ، الراجل ده أخد عقابه من ربنا، وعقابه الداخلي أكبر بكتير من أي حكم قضاء… سيبوه يروح في حاله وربنا يهديه’.”
الزوج القديم اتجمد في أرضه. الكلمات دي كانت أشد من كل الضربات اللي أخدها. طارق… الراجل اللي كان عايز يشوهه ويضربه بالمشرط في المطار، هو نفسه اللي بيطلب له الرحمة وبيمنع عنه قضايا جديدة كانت ممكن ترميه في السجن سنوات طويلة!
كمل الشيخ عبد العزيز كلامه وقال:
“أنا اتصلت بيك عشان أقول لك… الست دي ربنا أنقذها لأنها صبرت على ظلمك. وأنت ربنا ابتلاك لأنك استقويت عليها بقسوتك. لو ليك باقي من عقل أو دين، ارجع لربنا واستغفره، وبطل جروح واعتدائيات… لأن طارق وأسرته بكرة مسافرين مع أطفالهم إجازة جديدة في أوروبا، ومستقبلهم ماشي إلى الأمام… وأنت واقف مكانك بتتحرق بظلمك. اتقِ الله في بقية عمرك يا بني.”
وقفل الشيخ عبد العزيز الخط.
الزوج القديم بقى واقف في صالة الشركة بالسعودية، التليفون ممسوك في إيده الصامتة.
الدموع المرة دي نزلت من عينيه مش من الغيظ ولا من الغضب… المرة دي نزلت من الذل الحقيقي، من الندم الشديد، ومن إحساسه بضعفه وصغره قدام نبل ونظافة الناس اللي كان فاكر إنه هيقدر يكسرهم!
استلم ورقة الخروج النهائي، ومشي ناحية باب المبنى.
الشارع كان شمس ومفتوح، لكن هو كان شايف كل حاجة ضلمة.
شال شنطته وطلع على المطار… المرة دي عشان يغادر السعودية للتراب اللي خرج منه، بلا شغل، بلا سمعة، وبلا زوجة كان فاكر إنه سايبها معلقة.
ولما وصل مطار الرياض وقعد يستني طيارته لمصر…
لقى تليفونه بيرن تاني… المرة دي كان الرقم من مصر!
فتح التليفون، وكانت أخته بتعيط بصوت هيستيري وتصرخ:
“الحق يا أخويا! الحق بسرعة! المصيبة كبرت في مصر، والبيت بيضيع مننا!”
وقف الزوج القديم بذهول وقال:
“في إيه؟! مصيبة إيه تاني؟!”
ردت أخته وهي بتصرخ:
“المحكمة بعتت قوة وتنفيذ على شقتك القديمة وشقة البيت… الزوجة القديمة رفعت قضية مؤخر وصداق ونفقة متعة عن السنين القديمة وأخدت أحكام نهائية بالتحفظ والتنفيذ على كل ممتلكاتك وحساباتك في مصر!”
الزوج القديم طاح التليفون من إيده على أرض المطار… واكتشف إن الحساب القديم ما ينتهيش، وأن السنين اللي ظلم فيها… لسه بتبعت له الفاتورة حتى آخر قرش في حياته!




