
قالت لي وهي بتقضحك بحب:
“تستاهلي كل خير يا ندى، إنتِ بنت تعبتي ووقفتي على رجليك بكل شجاعة، وربنا ما بيضيعش تعب حد أبداً.”
قفلت التليفون ودموع الفرحة نزلت من عيني، بس المرة دي كانت دموع نصر وفخر بنفسي وبكل خطوة صعبة عديت بيها. افتكرت نفسي وأنا مكسورة زمان، وإزاي بقيت دلوقتي امرأة مستقلة، ناجحة، ومطلوبة في الخارج لذكائها وعلمها.
ماما دخلت عليا لقتني بعيط، اتخضت وقالت:
“خير يا بنتي في إيه؟ حد ضايقك؟”
جريت عليها وحضنتها جامد وأنا بضحك وأعيط في نفس الوقت، وقلت لها:
“ده ربنا رزقنا بكرم كبير قوي يا ماما… اجهزي، بنتك راسها بقت في العالي وسافرة تعمل الماجستير برا!”
ماما دمعت وحضنتني وقالت:
“ربنا ما بيوجعش قلب حد إلا عشان يعوضه بالأحسن يا ضحكة عمري.”
وفي اللحظة دي عرفت إن كل وجع عشته زمان كان مجرد نقطة بداية لقصة نجاح عظيمة أنا كاتبتها بدموعي وعرقي وكرامتي.
الجزء السادس والأخير
بعد مرور سنتين من التعب والسهر والدراسة المكثفة في أوروبا، كنت واقفة على مسرح كبير في احتفالية تسليم شهادات الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. لما سمعت اسمي متكرر في الميكروفون والكل بيقف يصفق لي باحترام وإعجاب، حسيت كأن شريط حياتي كله بيمر قدام عيني في ثواني.
افتكرت الطفولة اللي ربتنا فيها ماما على العزة والكرامة، وافتكرت اليوم اللي دخلت فيه بيت شريف وأنا عروسة مخدوعة، ومذلة البخل وطمع الأسرار والأملاك اللي مكتوب أساميها لغير أصحابها.
كل وجع عشته زمان كان حجر أساس لبناء الإنسانة القوية اللي واقفة قدامكم دلوقتي؛ امرأة مش بس مستقلة مادياً ومعنوياً، دي كمان بقت مديرة إقليمية لتطوير الأعمال في واحد من أكبر البنوك الدولية، واسمها معروف ومحترم في السوق المصرفي.
رجعت مصر في زيارة قصيرة بعد التخرج، وكانت الاستقبال في مطار القاهرة مفاجأة جميلة من زملائي القدامى في البنك وأهلي اللي فضلوا دايماً السند الحقيقي ليا.
وأنا قاعدة في كافيه شيك في المعادي مع ماما وأختي، بنستمتع بوقتنا وضحكتنا اللي ماليش تمن، لقيت تليفوني بيرن برقم مجهول للمرة التانية بعد سنين. طنشته في الأول، بس بعدين حسيت بفضول هادئ وفتحت الخط.
“ألو؟”
جاني صوت ضعيف ومتردد جداً، صوت عجز السجن والبهدلة عن إخفاء ملامحه القديمة:
“ازيك يا ندى… أنا شريف.”
سكت لثواني وأنا باصة لقهوتي بهدوء تام، ومفيش جوايا أي ذرة غضب ولا حتى شفقة مزيفة، كل اللي كنت حساه هو السلام النفسي الكامل.
رديت بصوت هادئ وثابت:
“أهلاً يا شريف. خير؟ في حاجة تانية تخصك؟”
قال بصوت مكسور وندم حقيقي ما ينفعش يفيد بحاجة:
“أنا كنت سامع إنك رجعتي مصر ومعاكي الماجستير وبقيتي حاجة كبيرة قوي… كنت بس عايز أقولك مبروك، وأطلب منك السماح.. أنا ضيعت الجوهرة اللي كانت في إيدي بإيدي، والدنيا داقت بيا لدرجة إني بقيت وحدي تماماً.”
قلت له بكل برود وهدوء:
“الله يبارك فيك يا شريف. وبخصوص السماح، فأنا سامحتك من زمان.. مش عشانك، بس عشان أرتاح وأقفل صفحتك للأبد. الدرس اللي أنت اتعلمته غالي قوي، وأنا كمان اتعلمت منه إن الإنسان اللي بيصون نفسه وكرامته ربنا بيرزقه أضعاف ما يتخيل. الحياة بتدي كل واحد على قد نيته وطيبته، وأنا نيتي كانت صافية ولقيت عوض ربنا الكبير. بالتوفيق ليك في حياتك، ومع السلامة.”
قفلت الخط بهدوء تام، وحطيت التليفون على الترابيزة قدامي.
بصتلي ماما بحب وقالت:
“كنتِ خايفة عليكي زمان يا بنتي، بس طلعين أصلب وأقوى بكتير مما كنت أتخيل.”
ابتسمت لها ومسكت إيدها وبصيت لبعيد وأنا حاسة بالرضا والسعادة، وقلت لها:
“الجواز مش سند بالاسم ولا فلوس متخبية، الجواز أمان ومودة وحب حقيقي.. واللي يبني حياته على الطمع والخذلان، عمره ما هيعرف طعم الراحة أبدا.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



