
## الجزء السابع: إشراقة جيل جديد وامتداد الأثر
لم تكن “دكانة الأمل” مجرد مشروع تجاري محلي يحقق الأرباح ويسجل النجاحات المادية فحسب، بل تحولت بمرور السنين إلى منصة اجتماعية وثقافية حقيقية لكل ستاة وفتاة تجد نفسها في مفترق طرق بين الخضوع للظروف أو صناعة المصير. بعد مرور سنوات طويلة على تلك الليلة الفاصلة التي غيرت مجرى حياتي، أصبح اسمي مقترناً بمفاهيم العصامية، والقوة، وإعادة بناء الذات من تحتطيم الرماد.
في أحد الأيام الخريفية الهادئة، وبينما كنت أجلس في مكتبي الفسيح بفرع دار النشر الجديد، دخلت عليَّ فتاة في مقتبل العمر، ترتدي ملابس بسيطة وملامح وجهها تحمل مزيجاً غريباً من الحيرة والتردد، وفي يدها حقيبة صغيرة تحتوي على أوراق ومستندات.
وقفت عند باب المكتب بتردد، وقالت بصوت خافت مرتعش:
* “السلام عليكم… هل أستطيع التحدث مع الأستاذة نوال شخصياً؟”
رفعت بصري عن الأوراق التي بين يدي، وابتسمت لها بابتسامة دافئة ومطمئنة، وأشرت لها بالجلوس على المقعد الوثير أمام مكتبي:
* “وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بنتي.. اتفضلي اقعدي، اعتبري نفسك في بيتك ومع والدتك تماماً. سامعك، إيه الحكاية؟”
جلست الفتاة وأخذت نفساً عميقاً، ثم بدأت تحكي قصتها وهي تمسح دموعاً حائرة حاولت حبسها:
* “اسمي مريم.. أنا متجوزة من سنتين، وعايشة في بيت عائلة ضيق، وجوزي… جوزي اتهمني في كل تحويشة عمري وميراث أمي البسيط عشان يشتري بيه شقة ويكتبها باسم أخته، ولما اعترضت، طردني مع طفلي الرضيع في نص الليل وقال لي بالحرف الواحد: ‘اثبتي إنك أديتني حاجة وطلعي اللي في جيبك!’… سمعت قصتك يا أستاذة نوال من إحدى الجارات القديمة، وقالت لي إنك الوحيدة اللي ممكن تفهمي وجعي وتدليني أعمل إيه، أنا ضايعة وحاسة إن الدنيا اتقفلت في وشي.”
شَعرت بصدمة خفيفة في صدري، وكأن شريط السنين العشرين الماضية يعيد نفسه أمامي بكل تفاصيله القاسية. وكأن الزمن يعيد تقديم نفس المشهد، ونفس الظلم، ونفس الصرخة المكبوتة لامرأة مظلومة تبحث عن طوق نجاة.
تغيرت ملامحي إلى الجدية التامة، ومددت يدي بحنان لأمسك يدها المرتجفة وأضغط عليها بقوة، وقلت بصوت صارم وواثق يملؤه اليقين:
* “اسمعيني كويس يا مريم.. أولاً: امسحي دموعك حالاً، لأن الدموع لا ترجع حقاً ولا تكسر باطلاً. ثانياً: شكرًا لربنا إنك جيتي هنا في المكان الصح. وثالثاً والأهم: إياكي ثم إياكي أن تنكسري أو تقبلي بالذل! الراجل اللي يسترخصك ويستولى على تعبك مش راجل، واللي يطرد أم عياله عشان طمعه يستاهل يدفع الثمن غالياً.”
فتحت مريم عينيها بذهول وقالت بصوت متهدج:
* “بس… بس أنا معيش مستندات قوية، وكل فلوسي اتحولت لحسابه كاش من غير شهود!”
ابتسمت بابتسامة واثقة، وفتحت أدراج مكتبى وأخرجت ملفاً خاصاً يضم نماذج قانونية، وإرشادات واضحة، ور(قم هاتف محامٍ قدير يتعاون معنا دائماً في قضايا تمكين المرأة وحماية حقوقها المالية، وقلت لها:
* “اسمعي خطة الشغل دي كويس… أول خطوة، هتبلغي عن تحويل الأموال بالرقم البنكي وتسحبي كشف حساب رسمي يثبت خروج الفلوس من حسابك لدخول حسابه في نفس تاريخ شراء الشقة. تاني خطوة، هتروحي للمحامي ده فوراً، وهنرفع قضية نصب وتبديد ومطالبة بكامل الحقوق والمؤخر وثمن الميراث، وتالت خطوة… هتسيبي بيت العيلة مرفوعة الهامة، وتقعدي في شقة أهلِك مؤقتاً لحد ما نرجعلك حقك بالقرش والصاغ وأنتِ حاطة رجل على رجل!”
لم تصدق مريم أذنيها، وعلت وجهها ومضة أمل قوية، ووقفت لتقبل رأسي بامتنان وهي تبكي دموع الفرح والتشجيع، وقالت:
* “أنا مش عارفة أقولك ايه يا أستاذة نوال.. إنتي مش مجرد صاحبة مشروع، إنتي طوق نجاة لكل ست مفكرة إن الدنيا خلصت!”
ودعت مريم، وتابعت حالتها خطوة بخطوة بنفسي؛ حيث وفرت لها الدعم القانوني الكامل، وساعدتها في استرداد كامل حقوقها المالية وشقة مستقلة تسكن فيها مع طفلها بعيداً عن جحيم بيت العيلة، لترى بنفسها كيف يتحول الظالم إلى ذليل، وكيف ينصر الله المظلوم ولو بعد حين.
وفي المساء، بعد أن أغلقت أبواب المكتب وخرج الجميع، وقفت أمام نافذة مكتبي العالية، أنظر إلى أنوار المدينة المضيئة، وأحمد الله في سري على أن ألمي القديم لم يذهب هباءً، بل تحول إلى منارة وقوة لكل امرأة تبحث عن كرامتها وحقها المسلوب. الحياة لا تختبر قوتنا لتهزمنا، بل لتعلمنا كيف نصنع من الرماد إمبراطورية لا تهزها الرياح.



