
## الجزء الخامس: إمبراطورية “نوال” وجبروت السنين
لم يكن نجاح “دكانة الأمل” مجرد صدفة عابرة أو ومضة مؤقتة، بل كان بداية لزلزال حقيقي في حياتي وفي محيط المنطقة كلها. الشهور الأولى للمشروع مرت كأنها سنوات من العمل الشاق والسهر والتخطيط الدقيق. كنت أستيقظ مع أذان الفجر، أصلي وأدعي الله أن يبارك لي في خطوتي، ثم أجهز أولادي للمدرسة، وأطير بخطوات ثابتة نحو دكاني الجديد.
أصبحت معروفة في السوق كله ليس فقط كامرأة استردت حقها بطريقة أبهرت الجميع، بل سيدة أعمال مستقلة، صلبة، لا تعرف المستحيل. المحل الذي بدأ بركن صغير للكتب والمستلزمات الأدبية، تطور خلال أقل من عام ليتحول إلى مركز ثقافي مصغر ومكتبة متكاملة لخدمة الكاتبات، الطالبات، والباحثات عن النشر. أنشأت قسمًا خاصًا بالتنسيق الرقمي، وإدارة الصفحات والمجموعات عبر الإنترنت للفتيات اللاتي يرغبن في نشر أعمالهن الأدبية ورواياتهن عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو المجال الذي وجلت فيه شغفًا كبيرًا وموهبة حقيقية في إدارة وتسويق المحتوى.
كنت أجلس خلف مكتبي الخشبي الأنيق في منتصف الدكان، وأمامي حاسوبي المحمول، أدير تعاقدات طباعة الروايات الصغيرة، وأشرف على تصميم الأغلفة واللافتات الرقمية للكاتبات الشابات اللاتي وجدن في مكتبي الملاذ الآمن والدعم الحقيقي الذي افتقدنه في بيوتهم. اسم “نوال” لم يعد مرتبطاً بامرأة مكسورة الجناح تبكي على أطلال دهبها ودكانتها الضائعة، بل أصبح اسماً يتردد باحترام وهيبة في كل شوارع الحي.
وفي المقابل، كان العالم الآخر في بيت العيلة يتهاوي ببطء شديد وبشكل مأساوي.
كانت الأخبار تصلني تباعاً من الجيران والمعارف دون أن أطلبها أو أهتم بسماعها؛ فبعد الفضيحة الكبرى وطرد العروس وأهلها في ليلة الزفاف، دخل كمال في دوامة سوداء من الاكتئاب والعزلة. خسر عمله الأساسي بسبب تشتت ذهنه وكثرة مشاكله القانونية والنفسية، وتراكمت عليه الديون والالتزامات بعد أن دفع لي كل مليم كان يملكه تعويضاً عن الدكانة والذهب والشقة.
أما حماتي، التي كانت تملأ بيت العيلة صراخاً وسخرية وغروراً، فقد أقعتها الصدمة والكسرة في الفراش، وتحولت إلى عجوز مريضة لا تملك من أمرها شيئاً، يزورها النسيان وتتجاهلها العيون. وأخت جوزي التي كانت تضحك بسخرية يوم زفاف أخيها، أصبحت عانسة في بيت العيلة، تلاحقها نظرات الشفقة والشماتة من نساء المنطقة اللاتي لم ينسين قط جبروتهم وظلمهم لامرأة مسكينة ظنوا أنها ضعيفة لا تقوى على شيء.
في أحد الأيام، وبينما كنت منشغلة بترتيب رفوف الكتب الجديدة في دكاني، دخل شخص لم أتوقع رؤيته قط بعد كل هذه السنوات.
رأيت ظلاً يقف طويلاً عند مدخل الباب، فرفعته عيني ببطء لأراه.. إنه كمال!
لم يكن ذلك الرجل المغرور، متبختر الخطوات، صاحب النظرات الاستعلاءية التي كانت تقتلني قديماً. كان شبحاً لرجل عجزت السنين عن رحمته؛ شعره ملؤه الشيب، وجهه شاحب تحفره التجاعيد العميقة، وظهرُه منحني وكأنه يحمل على كتفيه أثقال الأرض كلها. وقف يرتجف قليلاً، وعيناه ممتلئتان بالدموع والانكسار، ونظر إليَّ بصوت خافت مرتعش:
* “ازيك يا نوال.. عاملة ايه.. وأخبار العيال إيه؟”
وقفت خلف مكتبي بثبات مطلق، لم تتحرك فيني شعرة شفقة واحدة، لكنني لم أهنه ولم أصرخ في وجهه. نظرت إليه ببرود قاتل، ورددت بصوت هادئ وحاسم:
* “أنا وأولادي في أفضل حال يا كمال.. والحمد لله ربنا عوضنا بكل خير، وبقينا في عزة وستر وراحة بال مكنش نمتلكها واحنا معاك. جاي هنا ليه؟ خلصت الفلوس ولا العزوة سابتك؟”
ابتسم بابتسامة صفراء مكسورة، ونزل على ركبتيه أمام الدكان وسط المارة الذين وقفوا يشاهدون المشهد بذهول، وقال بصوت يتوسل الرحمة:
* “جاي أطلب منك السماح يا نوال.. جاي أقولك إني دُقت مرارة الظلم، وإني خسرت كل حاجة.. بيتي اهد، وأمي بتموت، وأنا بقيت شحات في الشارع.. سامحيني.. ارجعيلي.. العيال محتاجين أبوهم، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، بس سامحيني!”
نظرت إليه باحتقار صامت، وتذكرت تلك الليلة القاسية التي دفعني فيها بقوة على الأرض، وقال لي بكل قسوة: *”ولو قدرتي تثبتي إنك أديتني حاجة هابقى ارجعهالك يا حلوة!”*.
تقدمت نحوه ببطء، ووقفت أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه المليئتين بالندم، وقلت بصوت صارم يقطع الصمت:
* “يوم ما بعت دهبي ودكانة أبويا عشانك، كنت فاكرة إنك راجل تستهل التضحية. يوم ما طردتني عشان تتجوز عليا في شقتي، افتكرت إنك قدرت تكسرني نهائي. لكنك كنت جاهل.. جاهل بقوة الست المصرية لما تنغدر في كرامتها وعرقها. اللي زيك مش بيتعلم بالكلمة، بيتعلم بالقرصات القوية من الزمن”.
أشرت بيدي نحو الشارع، وكملت بصوت حاسم:
* “امشي يا كمال.. روح لبيتك اللي خربته بإيدك، واطلب السماح من رب العالمين، أما أنا وأولادي، فصفحتك اتطوت من حياتنا للأبد، وما بيننا وبينه غير المحاكم وقانون النفقة والشرع. ولا تفكر يوم إن نوال القديمة ممكن ترجع.. نوال اللي قدامك دي ماتت من زمان، وولدت من جدي امرأة لا تقهر أبداً!”
استدار كمال ببطء، وانهار في البكاء كالطفل الصغير، وابتعد بخطوات مكسورة ذليلة يجر خلفه ذيول الخيبة والندم الأبدي، بينما عدت أنا إلى مكتبي، رفعت رأسي عالياً، ونظرت من نافذة الدكان إلى السماء الصافية، وشكرت ربي ألف مرة على نعمة القوة، والكرامة، والعوض الجميل الذي لا يقدر بثمن.
أغلقت الدكان في نهاية اليوم، وخرجت مع طفليَّ نضحك ونسير في شوارع المنطقة التي باتت تعرف تماماً من هي “صاحبة الإمبراطورية”.. امرأة لم تكتفِ باسترداد حقها، بل صنعت من رماد قهرها تاجا من المجد والحرية لا ينطفئ أبداً.




