
## الجزء السادس: حصاد السنوات ومملكة الصبر
مرت السنوات، ولم تعد “دكانة الأمل” مجرد مشروع تجاري في الحي، بل تحولت إلى مؤسسة صغيرة متكاملة وواجهة لكل سيدة طموحة ترغب في إثبات ذاتها وبناء مستقبلها من الصفر. بفضل الله، ثم بفضل التخطيط السليم والإدارة الصارمة، افتتحت فرعاً ثانياً للمكتبة ودار النشر في حي راقٍ، وأصبح اسمي يلمع في المحافل الثقافية المحلية كواحدة من العصاميات اللاتي قاومن رياح الظلم والخذلان حتى صنعن لأنفسهن مجداً حقيقياً.
أما أولادي، فقد كبروا وأصبحوا شباباً يافعين، يملكون من الوعي والاعتزاز بالنفس ما يجعلهم سنداً حقيقياً لي. كان ابني الأكبر قد أنهى تفوقه الدراسي والتحق بكلية الحقوق، وكان دائماً يقول لي بابتسامة فخر:
* “يا ماما، إنتي مش بس ربيتينا، إنتي علمتينا إن الكرامة خط أحمر، وإن اللي يبيع حقه بإيده يستاهل الضياع، لكن اللي يدافع عن حقه للآخر ربنا بينصره مهما طال الزمن”.
وكنت أكتفي بابتسامة حانية، وأنا أرى فيه ثمرة صبري وجهدي، وأحمد الله ألف مرة على أنني لم أنكسر في تلك اللحظة القاسية، وأنني اخترت طريق العزة بدلاً من طريق الذل والهوان.
وفي أحد الأيام الهادئة، وأنا أتابع حسابات الدكان الجديد، جاءني اتصال من رقم غريب. ترددت لحظة قبل أن أفتح الخط، ليأتي لي صوت فتاة صغيرة مرتبكة تقول بصوت خافت:
* “أنا… أنا بنت عمتك… يعني بنت أخت كمال.. وحضرتك ماتعرفنيش كويس”.
توقف قلبي قليلاً للذكرى القديمة، ورددت بهدوء:
* “أهلاً يا حبيبتي.. خير، في حاجة؟”
قالت بصوت مكسور يملؤه الحزن:
* “عمتي… جدتي الله يرحمها ماتت من يومين، و… وكمال عمي حالته بقت سيئة جداً، قاعد لوحده في الشقة القديمة في بيت العيلة، تعبان ومرريض ومحدش بيسأل فيه، والناس نسيته تماماً… هو طلب مني أكلمك، مش عشان يطلب منك ترجعي، لكن عشان يقولك كلمة واحدة قبل ما يموت: ‘سامحيني يا نوال، أنا دُقت اللي عملته فيكي أضعاف مضاعفة، وحقي ضاع زي ما ضيعت حقك'”.
صمت لفترة طويلة، ولم تنطق شفتاي بحرف واحد. شريط ذكريات تلك الليلة القاسية، ودهبي، ودكانة أبي، ودموع أطفالي وهم خائفون في زاوية الغرفة.. كلها مرور أمامي في ثوانٍ معدودة.
تنهدت بعمق، ورددت بصوت هادئ وثابت:
* “الله يرحم جدتك، ويشفي عمك.. ويصلح حاله. أما عن المسامحة، فأنا عفيت عنه من زمان، مش عشان هو يستاهل، لكن عشان قلبي أنا يفضل نضيف وخالي من أي حقد أو غل، وعشان أبقى ماشية في الدنيا براس مرفوعة وعمره ما كان للماضي مكان في حاضري”.
أغلق الهاتف، ونظرت من نافذة مكتبي إلى الشارع المزدحم بالحياة، إلى أطفالي وهم يبتسمون لي من بعيد، وإلى رصيف دكاني الذي بنيته بدم قلبي وعرق جبيني.
أدركت في تلك اللحظة أن الحياة لا تأخذ شيئاً إلا وتعوض أضعافه لمن يملك الإرادة والصبر والثقة المطلقة بعدل الله. انتهت تلك القصة، لكن حكايات النجاح الحقيقي لا تنتهي أبداً، لأن المرأة التي تعرف قيمتها وتصون كرامتها، لا يمكن أبداً أن تُهزم أو تُكسر مهما اشتدت العواصف.



