روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

خرجت حنين من العمارة بخطوات واثقة، لكن رأسها كان يغلي كأنه مرجل ينفجر. لم تذهب إلى بيت أهلها باكية، ولم تتصل بأحد لتشتكي وتسرد مأساتها، بل وقفت في منتصف الشارع، أخرجت هاتفها، وطلبت رقماً واحداً فقط: شقيقها الأكبر “حمزة”، الرجل الذي تعرف أنه لا يعرف المهادنة في الحق.

 

مقالات ذات صلة

ـ “أهلاً يا حنين.. خير يا حبيبتي؟” جاء صوت حمزة دافئاً عبر الهاتف.

ردت حنين بصوت ثابت كالجبل، لا يشي بالدموع التي كتمتها في حنجرتها:

ـ “حمزة.. عايزاك تلملي إخواتك ورجالة العيلة، وتجولي فوراً على شقتي.. من غير ما تقول لأمي ولا لأي حد من الحريم، ومن غير ولا كلمة زيادة لحد ما توصلوا.”

شعر حمزة بنبرة الخطر الساكنة في صوت أخته، فلم يستفسر أو يجادل، بل قال كلمة واحدة: “ساعة ونصف ونكون عندك.”

خلال تلك الساعة والنصف، لم تكن حنين تندب حظها، بل كانت تجلس في كافيه قريبا من العمارة، تراجع مستنداتها على هاتفها وتسترجع كل تفصيلة قانونية ومالية. فالشقة لم تكن ملكاً لمدحت وحده؛ بل كانت قد بيعت لهما مناصفة في عقد الابتياع الأولي، وحنين هي من دفعت مقدمها من مؤخر صداقها وذهبها القديم، والعقد مسجل وموجود في خانة الأمانات ببنكها الخاص! كان مدحت يظن أنها نسيت، أو أن طيبة قلبها ستجعلها تتنازل عن حقها، لكنه نسي أن المرأة حين تُكسر ب الخيانة والوضاعة، تتحول طيبتها إلى صلابة من حديد.

وصل حمزة ومعه شقيقها الأصغر واثنان من أعمامها. كانت ملامحهم صارمة، وحين جلست معهم حنين وسردت القصة كاملة ببرود حاد—بدءاً من تمثيلية المرض القذرة وصولاً إلى تهديد مدحت بالطلاق وهدم الشقة لعروسه الجديدة—تغيرت وجوه الرجال، وارتفعت حرارة أنفاسهم من شدة الغضب والغيظ.

وقفت حنين وقالت لنفسها قبل أن تقول لهم:

ـ “أنا مش عايزاكم ترفعوا إيدكم على حد.. ولا تكسروا خشب.. أنا عايزاكم تبقوا ظهري وأنا بحط مدحت وأمه في المكانة اللي يستحقوها.”

صعد الجميع إلى العمارة. ضرب حمزة الباب بقوة زلزلت أركان الممر.

فتح مدحت الباب، وكان يتوقع أن يرى حنين تبكي ومعها والدها لرجائه، لكنه فوجئ بأربعة رجال أشداء يحيطون بحنين التي تقف في المقدمة ونظراتها كأشعة الليزر.

تراجع مدحت إلى الخلف بارتباك وهو يحاول تصنع الشجاعة:

ـ “إيه ده؟ جايبة أهلك يعملوا عليا نمرة؟ الشقة شقتي، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل!”

تقدمت حنين خطوات إلى داخل الصالة المليئة بالركام، وقفت فوق كيس السمنت المفتوح، وأخرجت من حقيبتها ملفاً أصفر صغيراً كانت قد ساحبته من محاميها هاتفياً، ثم نظر له بأعلى درجات الاستخفاف:

ـ “الشقة شقتك؟ قسماً بالله يا مدحت، اللقمة اللي كليتها في البيت ده هترجعها.. الشقة دي مكتوبة باسمي واسمك مناصفة، والعقد معايا ومسجل في الشهر العقاري، وأنت عارف كويس أنا دفعت فيها كام من ذهبي وشبكتي القديمة.”

حبس مدحت أنفاسه وتصبب العرق من جبهته، فقد كان يظن أن العقد أُكل في الفوضى، فقال متلعثماً:

ـ “أنا… أنا دافع الأقساط والتشطيب!”

قاطعه حمزة، شقيق حنين، وهو يخطو خطوة ثقيلة نكاية فيه، وبصوت يحبس الأنفاس:

ـ “والتشطيب ده يا حيلتها هتسدده داير مليم لحنين مقابل الاستغلال والتلفيات اللي عملتها في ملكها من غير إذنها.. ومش بس كده!”

التفتت حنين نحو الحائط المهدوم والرائحة النفاذة، ثم أخرجت هاتفها وأظهرت شاشته لمدحت:

ـ “شفت الصور دي؟ الصور دي للحيطان المهدومة ولأثاثي المرمي وللصنايعية اللي شغلتهم بدون ترخيص وبدون موافقتي.. الفيديو ده طالع فوراً على المحكمة ببلاغ إتلاف ممتلكات وإضرار بحيازة، وبلاغ ثاني بالتمكين من الشقة بالقوة الجبرية.. يعني عروستك السنيورة اللي كنت بتبني لها على حسابي، مش هتدخل البيت ده، ولو دخلت هتدخل على قسم الشرطة!”

في هذه اللحظة، خرجت الأم من شقتها بالأعلى وهي ترتجف وتستند على السور، وصوت بكائها يسمع في السلم:

ـ “يا ابني اتصالحوا.. يا حنين يا بنتي استهدي بالله، مدحت غلطان وأنا غلطانة، حقك عليا…”

التفتت حنين نحو السلم، ونظرت للأم بنظرة حازمة قاطعة جعلت الأم تتوقف عن الكلام:

ـ “حقك عليا دي تقوليه لنفسك يا خالة، وأنتِ واقفة قدام ربنا بتدعي المرض والسرير وتخليني أخدمك بأمانة وأنتِ بتخدعيني.. أنا خلصت كلامي معاكي من الساعات اللي فاتت.. أنتِ بالنسبة لي بقيتي صفحة واتقفلت وموجودة بس كشاهدة زور في القضية لو اضطريت.”

شحب وجه مدحت كالموتى. أدرك في لحظة واحدة أن كل مخططه الخبيث انهار، فالعروس الجديدة وأهلها شرطوا عليه أن تكون الشقة جاهزة وخالية تماماً من مشاكل الزوجة الأولى، وهو الآن مهدد بقضايا إتلاف ومحاكم وإحضار شرطة إلى العمارة، فضلاً عن وجود رجال عائلة حنين الذين لن يرحموه لو فكر في استخدام القوة.

سقطت يدا مدحت بجانبه وقال بنبرة مكسورة يحاول فيها المساومة:

ـ “طب قوليلي عايزة إيه يا حنين؟ بلاش محاكم وفضايح، القضايا هتضرنا إحنا الاثنين!”

ضحكت حنين ضحكة قصيرة، مليئة بالنصر والشماتة الشريفة، ثم اقتربت منه حتى أصبحت على بعد خطوات قليلة منه، وقالت بصوت خفيض وواضح يحمل القرار النهائي:

ـ “عايزة إيه؟ أنا هقولك عايزة إيه..

أولاً: تتصل بالصنايعية والمقاول دلوقتي، ويلغوا كل التعديلات الزفت دي ويرجعوا الحيطة زي ما كانت على حسابك الخاص في خلال 48 ساعة.

ثانياً: مؤخر صداقي ومتأخراتي وكل جنيه دفشته في الشقة دي يوصلني كاش كأمر واقع، ورقتي توصلني لبيت أهلي وأنت ساكت.

ثالثاً بقى.. الشقة دي مش هتدخلها أنت ولا عروسة جديدة.. الشقة دي هتتباع، وناخد نصيبي منها على داير المليم، وساعتها روح دور على جحر أنت وعروستك وأمك تعيشوا فيه!”

نظر مدحت إلى أمه الباكية على السلم، ثم نظر إلى رجالة حنين المقربين منه، ثم نظر إلى حنين التي لم تعد تلك الزوجة الساذجة المطيعة التي تركها قبل أيام لترعى أمه المريضة زوراً.

قال بصوت مبحوح:

ـ “وإذا رفضت؟”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى