روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 3

تصلبت ركبتيا في مكانهما، وكأن مجرى الدورة الدموية في  توقف تماماً، والراحة الزائفة التي توهمنا أننا وصلنا إليها بضبط عمي “جلال” تبخرت في أثير تلك الرسالة الغامضة.
نظر صلاح إلى الشاشة المضيئة بنظرات ثاقبة تحبس الأنفاس، عضلات فكه كادت تتكسر من شدة الضغط عليها. تلك الرسالة لم تكن مجرد  عابر أو مناورة كلامية من مهزوم، بل كانت طعنة مستقيمة في خاصرة جهاز المخابرات والأمن العام بأكمله؛ إشارة واضحة إلى وجود “اختراق” عميق وعلى مستوى شخصي جداً!
اقتربت منه بصوت مرتجف، وأنا أستجدي نفي الخوف الذي ينهكني:
“صلاح.. إيه الرسالة دي؟ مين ده اللي بياكل معانا في نفس الشارع وعلى نفس الترابيزة؟! أنت مش قبضت على جلال وهدى وحمدي وكل العيلة دي؟ هو فيه حد تاني؟!”
صلاح لم أسمع منه إجابة فورية. وضَع تليفونه على المائدة بهدوء ، ثم أخذ يتجول في الغرفة ببطء كأنه ذئب يحسب خطواته قبل الافتراس. نظر لي وقال بصوت خفيض وبارد يبعث على القشعريرة:
“نوال.. المعركة القديمة كانت مع الواجهة الفاسدة.. الطمع اللي حرك جلال وحمدي وهيأ لهم إنهم أسياد اللعبة. بس جلال، بكل ملايينه، مكنش يعرف يشتري ذمم ظباط ولا  قطع آثار بحجم اللي كان بيطلع من السرداب من غير (غطاء حماية) موجود جوا المنطقة نفسها.. حد كلمته مسموعة، حد الناس كلها بتثق فيه وتعتبره الرمز والأصل!”
قاطعتُه برعب:
“مين ده يا صلاح؟! قصدك حد من كبارات الحارة؟! الحاج بسيوني العطار؟ ولا الشيخ عمران خطيب الجامع؟ ولا مين?!”
لم يكمل صلاح كلامه، إذ انطلق صوت قرع متواصل وقوي على باب الشقة!
قفزتُ من مكاني مذعورة، فسحب صلاح سلاحه بسرعة ودقة لم تستغرق جزءاً من الثانية، وأشار لي بيده ألا أتحرك من خلفه. اقترب من الباب بخطوات خفيفة كالظل، ونظر من الفتحة السحرية، ثم استرخى جسده قليلاً لكن ملامح وجهه ظلت متجهمة. فتح الباب، لنجد أمامنا الحاج “عبد الصمد”.. أبيا!
دخل أبويا وهو يحمل في يده صينية بها بعض الفاكهة والشاي، وعلى وجهه ابتسامة دافئة ورضا لم أره منذ سنوات طويلة، وقال بنبرة متهدجة من الفرحة:
“صباح الخير يا ولادي.. قلت أجيب لكم الشاي وأطمن عليكم. الحارة كلها النهاردة بتتكلم عنكم يا صلاح.. الناس مش مصدقة إن صلاح المجذوب طلع هو اللي طهر منطقتنا من النجاسة دي كلها ورفع راسنا فوق!”
صلاح نظر لأبويا بنظرة مليانة مشاعر متضاربة.. كان يتأمله، يدرس ملامحه، يزن كل حركة وكل نبرة في صوته. حط صلاح السلاح في حزامه بهدوء وقدم كرسي لأبويا وقال:
“اقعد يا عمي عبد الصمد.. نورتنا. الشاي من إيدك ليه طعم تاني.”
أبويا قعد، وبدأ يصب الشاي، وبص لصلاح وقال:
“أنا النهاردة الصبح نزلت السوق يا صلاح.. لقيت الناس عينيها مرفوعة، ومفيش ولا واحد من أتباع حمدي ولا أخته قادر يحط عينه في عين حد. المحامي قالي إن التحقيقات شغالة مع جلال أخويا، وإنه اعترف بكل حاجة.. اعترف إنه كان بيحاول يذلني عشان يشتري البيت والسرداب.”
صلاح حط إيده على الترابيزة وقرب من أبويا، وبص في عينيه مباشرة وسأله بسؤال غير متوقع:
“يا عمي عبد الصمد.. جلال في اعترافاته الأولية قال إن فيه خريطة ثانية للسرداب، خريطة قديمة مش مكتوبة على أوراق رسمية، دي مكتوبة على قطعة جلد غزال ومتخبية في جدار البيت القديم من أربعين سنة.. خريطة ما يعرفش مكانها غير الراجل اللي ورث البيت أب عن جد! جلال قال إن الخريطة دي هي اللي فيها السر الحقيقي وموقع الغرفة الملكية اللي تحت الأرض.. أنت عمرك شفت الخريطة دي؟”
أبويا إيده اتهزت وهو بيمسك كوباية الشاي، وبص لصلاح بنظرة تعجب واستغراب وقال:
“خريطة إيه يا بني وجلد غزال إيه؟! أنا طول عمري عارف إن البيت تحته سرداب أثري وبس، وأبويا الله يرحمه وصاني قال لي البيت ده حراسة وأمانة، لا ينباع ولا يتكسر فيه حجر لحرامي. جلال هو اللي عقله طار لما شاف الملايين وبقى يتخيل خراط وأوهام عشان يبرر قذارته!”
صلاح فضل باصص لأبويا بثبات، ثم ابتسم ابتسامة هادية وقال:
“عندك حق يا عمي.. جلال طمعه عماه.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى