
في تلك اللحظة، رن تليفون صلاح الشخصي مرة أخرى، لكنها كانت نغمة الرنين الخاصة برئيس الجهاز العسكري مباشرة. صلاح استأذن وطلع البالكونة يكلمه بصوت واطي جداً.
أنا استغليت الفرصة وقعدت جنب أبويا، مسكت إيده وقلت له:
“بابا.. أنت مرتاح؟ حاسس إنك بخير؟”
أبويا طبطب على إيدي وقال لي وعينيه مليانة دموع:
“أنا مرتاح عشان شفتك مستورة مع راجل بجد يا نوال.. راجل صانك وصان يمين أبوكِ. أنا كنت مقهور لو كنت اتجوزتي نذل زي حمدي أو لو كان يميني وقع في الأرض.”
خرج صلاح من البالكونة، ووشه كان عبارة عن لوحة صلبة من الفولاذ. بص لشريف اللي كان لسه واصل الشقة ومعاه شنطة سوداء كبيرة، وقال له صلاح نبرة حازمة:
“شريف.. التقرير التقني للصورة والرسالة وصل؟”
شريف فتح الشنطة وطلع منها لاب توب متصل بشبكة أمنية عالية التشفير، وحطه على الترابيزة وقال:
“صلاح.. الرقم المجهول اللي بعت الرسالة اتتبعنا الإشارة بتاعته.. الإشارة أُرسلت من برج تقوية قريب جداً من الحارة هنا، والرقم كارت مدفوع مقدماً اتفعل من ساعتين بس باسم وهمي.”
صلاح قعد وقال:
“والصورة اللي كانت مرفقة مع التقرير المشفّر؟”
شريف حرك أطراف أصابعه على الكيبورد، وفتح صورة قديمة، أبيض وأسود، يرجع تاريخها لأكثر من ثلاثين سنة! الصورة كانت بتجمع أربعة رجال واقفين أمام نفس البيت القديم بتاعنا في الحارة!
أنا وأبويا قربنا عشان نشوف الصورة.. أبويا أول ما شاف الصورة، اتسمر في مكانه وصوته انقطع!
كان في الصورة:
* أبويا (عبد الصمد) وهو شاب صغير.
* عمي (جلال) في شبابه.
* والد صلاح (عبد الرحمن) الله يرحمه.
* ورجل رابع.. يرتدي زياً عسكرياً قديماً، ووجهه يحمل غائراً في خده الأيسر!
صلاح شاور بإصْبَعِهِ على الرجل الرابع ذو الجرح الغائر وقال بشديد من القسوة:
“الرجل الرابع ده.. هو العميد المتقاعد (فاروق التامي).. الراجل اللي كان ماسك ملف حراسة الآثار في المنطقة دي قبل ما يطلع معاش من 15 سنة! وهو نفسه اللي جلال اعترف عليه وقال إنه الممول الحقيقي والعراب اللي بياخد 60% من أرباح كل قطعة آثار تطلع برة البلد!”
أبويا بص للصورة بدهشة وقال:
“فاروق التامي؟! فاروق ده مات من عشر سنين يا صلاح! إحنا حضرنا عزاه كلنا في الحارة هنا، وأولاده باعوا بيته ومشوا من المنطقة!”
شريف ضحك بمرارة وقال:
“فاروق التامي مماتش يا حج عبد الصمد! شهادة الوفاة بتاعته كانت مزورة، الل العيلة كانت مجهولة الهوية! فاروق التامي عايش باسم مستعار في قصر في الساحل الشمالي، وهو اللي بيحرك الشبكة دي كلها من وراء الستار.. وهو اللي بعت الرسالة لصلاح النهاردة!”
صلاح وقف بطوله، وسحبه وقال بصوت هز جدران الشقة:
“فاروق التامي فاكر إن ، وفاكر إن الرسالة دي أو تخليني أتردد.. فاروق التامي بيبعتلي رسالة بيتقول فيها إنه بياكل معانا في نفس الشارع، لأنه عارف إن فيه شريك تاني ليه لسه مستخبي جوة الحارة دي، شريك هو اللي بيبلغه بكل تحرك أجهزة الدولة بالملي!”
أنا مسكت في صلاح وأنا مرعوبة:
“شريك تاني؟! مين يا صلاح؟! ارجوك قل لي مين اللي وسطنا وخاين؟!”
صلاح بص لشريف وقال له بكلمات تقطع الشك:
“شريف.. جهز القوة فوراً! الهدف المرة دي مش في إسكندرية ولا في الصعيد.. الهدف في الشارع اللي ورانا بالظبط! المرة دي هنقبض على الخاين اللي كان بيبيع أسرار الحارة والبيت لـ فاروق وجلال من ثلاثين سنة!”
وفجأة.. وقبل ما القوة تتحرك، اتسمع صوت عالي وجلبة شديدة جاية من الشارع تحت العمارة!
طلعت البالكونة وأنا بترعش، ولقيت الناس في الشارع متجمعين ومصضومين، وفيه عربية نقل ضخمة كانت واقفة قدام البيت القديم بتاعنا.. وباب البيت القديم مقفول من جوة، وصوت حي ومدافع مكتومة الصوتي بتطلع من تحت الأرض ومن جوة السرداب نفسه!
صلاح جرى على البالكونة وبص تحت، ووشه اتغير تماماً وقال بذهول:
“الملاعين! بدأوا عملي جوة السرداب دلوقتي عشان يهربوا الصناديق الملكية قبل ما نوصلهم!”
صلاح بص لأبويا وقال له بصوت حاد:
“عمي عبد الصمد.. المفتاح الأصلي لباب السرداب الخفي فين?!”
أبويا حط إيده في جيبه، وطلع سلسلة فضة قديمة فيها مفتاح نحاسي كبير ومزخرف، وقال وهو بيبكي:
“المفتاح اهو يا صلاح.. بس المفتاح ده مفيش حد في الدنيا يعرف إنه بتاع السرداب غيري أنا.. وغير الشخص اللي كان مع أبوي يوم ما دفنا السرداب!”
صلاح مسك المفتاح، وبص لأبويا بنظرة صدمة قاتلة وقاله:
“ومين الشخص ده يا عمي عبد الصمد؟!”
أبويا بص لصلاح وصوته يقطع القلب:
“أبوك أنت يا صلاح!.. عبد الرحمن الله يرحمه!”
ساد صمت مرعب كصمت .. وصلاح وقف متسمراً، والكلابشات وسلاحه في إيده، وبص لأبويا كأنه أُصيب بطلقة في منتصف قلبه!
هل كان والد صلاح مكمناً للسر؟ أم كان هو الخائن الأكبر من الأساس وترك ابنه يطارد شبكة هو من أسسها بنفسه؟!
ساد صمت في أرجاء الشقة، صمتٌ أصعب من صوت الرصاص الذي كان يلعلع في الشارع أسفلنا. كان الهواء مقطوعاً، وكأن أكسجين الغرفة تبخر في لحظة واحدة.
صلاح ظل واقفاً في منتصف الصالة كصخرة عاتية، لكن عينيه كانتا تعكسان زيفتت أركان روحه. الرجل الذي وقفت أمامه أعتى عصابات الإجرام دون أن ترمش له عين، والذي واجه الرصاص بقلب من حديد، رأيته لأول مرة في حياتي يترعش شحوباً! كانت يده التي تقبض على المفتاح النحاسي تشتد حتى ابيضت مفاصِلها، وصوته خرج متهدجاً، متحشرجاً بكبرياء مجروح:
“أبويا؟! أنت بتقول إيه يا عمي عبد الصمد؟! أبويا عبد الرحمن اللي وهو راجل غلبان وشريف، وما سابش لينا غير السيرة الطيبة والبيت الصغير اللي الحارة كلها شاهدة عليه؟! أنت أبويا إنه كان شريك في خيانة البلد وفي السرداب الأثري?!”
أبويا تقدم خطوة نحو صلاح، ودموعه تسيل على جروحه النازفة، ووضع يده على كتف صلاح وقال بنبرة مليانة أسى وصدق يقطع القلب:
“يا بني افهمني! أنا ما قلتش إن أبوك كان خاين! أبوك عبد الرحمن كان أقرب صديق لأبويا وأخويا في الله.. أبويا الله يرحمه لما حفر السرداب عشان يحمي الآثار من عصابات فاروق التامي زمان، ما ائتمنش على المفتاح ده والسر ده غير أبوك عبد الرحمن! أبوك كان الراجل الوحيد اللي بيساعد أبويا في صيانة السرداب وقفل الدخلة السرية بتاعته! أبوك وهو صاين السر وما نطقش بيه حتى لأقرب الناس ليه.. بس الخيانة جت من المكان اللي ما حدش يتوقعه!”
صلاح سأل بنبرة جادة وهو يقلب المفتاح في إيده:
“جت منين يا عمي؟! اتكلم بسرعة الأوقات بتعدي والصوت اللي تحت الأرض ده معناه إنهم جدار السرداب دلوقتي!”
أبويا مسح دموعه وقال:
“أبوك عبد الرحمن، قبل ما بأسبوع واحد في المستشفى، كان غايب عن الوعي في العناية المركزة.. وفي الأيام دي، عمك جلال والعميد فاروق التامي كانوا بيروحوا يزوروه كل يوم تحت دعوى إنهم بيطمنوا عليه! جلال استخدم مصل نيام وطبي وخد بصمة إيد أبوك، وفتش الشخصية، ولما ما لقاش المفتاح، عرف إن السر متكسر بيني وبين أبوك.. ومن يومها وجلال وفاروق بيخططوا يدمروا عيلتي وعيلتك عشان يستولوا على السرداب!”
تنفس صلاح ببراح عميق، وكأن جبالاً زيلت عن صدره! رجعت له نظرته الصلبة الحادة، وبص لشريف ولأبويا وقال بصوت هز جدران المكان:
“يعني أبويا شريف.. وأنا هكمل مشواره وأطهر اسمه واسم عيلتنا من الشبهة دي للأبد! شريف.. القوة المقتحمة تنزل معايا فوراً على السرداب من الممر الخلفي.. عمي عبد الصمد، خليك هنا مع نوال وتحت حراسة أربعة عساكر مسلحين.”
لكن أنا رفضت أستسلم أو أقعد وأنا شايفاه داخل على الموت برجليه. جريت مسكت في جاكيته وقلت له بدموع :
“مش هسيبك تروح لوحدك يا صلاح! المكان تحت الأراض معقد ومظلم وأنا وبابا أكتر ناس حافظين مداخل البيت القديم والسرداب! خدني معاك يا صلاح الله يخليك!”
صلاح بص في عيني بنظرة حنان خاطفة، ورغم خطورة الموقف، هز رأسه وقال:




