
ساد صمت في أرجاء الشقة، صمتٌ أصعب من صوت الذي كان يلعلع في الشارع أسفلنا. كان الهواء مقطوعاً، وكأن أكسجين الغرفة تبخر في لحظة واحدة.
صلاح ظل واقفاً في منتصف الصالة كصخرة عاتية، لكن عينيه كانتا تعكسان زلزالاً يفتت أركان روحه. الرجل الذي وقفت أمامه أعتى عصابات الإجرام دون أن ترمش له عين، والذي واجه بقلب من حديد، رأيته لأول مرة في حياتي شحوباً! كانت يده التي تقبض على المفتاح النحاسي تشتد حتى ابيضت مفاصِلها، وصوته خرج متهدجاً، متحشرجاً بكبرياء مجروح:
“أبويا؟! أنت بتقول إيه يا عمي عبد الصمد؟! أبويا عبد الرحمن اللي مات وهو راجل غلبان وشريف، وما سابش لينا غير السيرة الطيبة والبيت الصغير اللي الحارة كلها شاهدة عليه؟! أنت بتتهم أبويا إنه كان شريك في خيانة البلد وفي السرداب الأثري?!”
أبويا تقدم خطوة نحو صلاح، ودموعه تسيل على جروحه النازفة، ووضع يده على كتف صلاح وقال بنبرة مليانة أسى وصدق يقطع القلب:
“يا بني افهمني! أنا ما قلتش إن أبوك كان خاين! أبوك عبد الرحمن كان أقرب صديق لأبويا وأخويا في الله.. أبويا الله يرحمه لما حفر السرداب عشان يحمي الآثار من عصابات فاروق التامي زمان، ما ائتمنش على المفتاح ده والسر ده غير أبوك عبد الرحمن! أبوك كان الراجل الوحيد اللي بيساعد أبويا في صيانة السرداب وقفل السرية بتاعته! أبوك وهو صاين السر وما نطقش بيه حتى لأقرب الناس ليه.. بس جت من المكان اللي ما حدش يتوقعه!”
صلاح سأل بنبرة جادة وهو يقلب المفتاح في إيده:
“جت منين يا عمي؟! اتكلم بسرعة الأوقات بتعدي والصوت اللي تحت الأرض ده معناه إنهم جدار السرداب دلوقتي!”
أبويا مسح دموعه وقال:
“أبوك عبد الرحمن، قبل ما بأسبوع واحد في المستشفى، كان غايب عن الوعي في العناية المركزة.. وفي الأيام دي، عمك جلال والعميد فاروق التامي كانوا بيروحوا يزوروه كل يوم تحت دعوى إنهم بيطمنوا عليه! جلال استخدم مصل نيام وطبي وخد بصمة إيد أبوك، وفتش الشخصية، ولما ما لقاش المفتاح، عرف إن السر متكسر بيني وبين أبوك.. ومن يومها وجلال وفاروق بيخططوا يدمروا عيلتي وعيلتك عشان يستولوا على السرداب!”
تنفس صلاح ببراح عميق، وكأن جبالاً زالت عن صدره! رجعت له نظرته الصلبة الحادة، وبص لشريف ولأبويا وقال بصوت هز جدران المكان:
“يعني أبويا شريف.. وأنا هكمل مشواره وأطهر اسمه واسم عيلتنا من الشبهة دي للأبد! شريف.. القوة المقتحمة تنزل معايا فوراً على السرداب من الممر الخلفي.. عمي عبد الصمد، خليك هنا مع نوال وتحت حراسة أربعة .”
لكن أنا رفضت أستسلم أو أقعد وأنا شايفاه داخل على برجليه. جريت مسكت في جاكيته وقلت له بدموع وحرقة:
“مش هسيبك تروح لوحدك يا صلاح! المكان تحت الأرض معقد ومظلم وأنا وبابا أكتر ناس حافظين مداخل البيت القديم والسرداب! خدني معاك يا صلاح الله يخليك!”
صلاح بص في عيني بنظرة حنان خاطفة، ورغم خطورة الموقف، هز رأسه وقال:
“البسي الخوذة والسترة المصفحة دي وتخليكي ورايا بالظبط.. كلمة مني تنفذيها من غير تفكير!”
نزلنا بسرعة البرق من السلالم الخلفية للمبنى، الشارع كان عبارة عن ملحمة؛ الدخان الآتي من داخل البيت القديم كان يسد عين الشمس، وأصوات المدافع مكتومة الصوت الصغيرة تحت الأرض الإسفلت تحت أقدامنا! الناس في الحارة كانوا يستغيثون ويهربون، وقوات الأمن المركزي فرضت كردوناً أمنياً شاملاً.
أبويا تقدم القوة، وفتح بوابة حديدية قديمة ومخفية خلف أكوام من الخشب القديم في خزانة البيت السفلي. صلاح استخدم المفتاح النحاسي ودخله في قفل قديم جداً محفور على هيئة رمز فرعوني.. دار المفتاح بصوت تكة ثقيلة، وانفتح باب حجري ضخم ينزل بنا إلى ظلام دامس وسرداب عميق يتصاعد منه غبار تاريخي ورائحة !
صلاح شغل كشافات الليزر الملحقة بأسلحته وأعطى أوامره للقوة:
“التقدم التكتيكي.. المجموعات (أ) و(ب) تنتشر في الأروقة الجانبية، عدم إطلاق العشوائي لتجنب السقف الأثري! الملاحقة مباشرة !”
نزلنا الممر الحجري الهابط، وكانت جدرانه مليانة بنقوش فرعونية وإسلامية قديمة تدل على عظمة المكان وأهميته. كانت آثار الرصاص وأغلفة الطلقات الفارغة متناثرة على الأرض، مما يدل على إن فيه مجموعة سبقونا لجوة من فتحة ثانية!
وفجأة.. سمعنا أصوات
وشجار باللغة العربية والإنجليزية من داخل القاعة الرئيسية للسرداب!
صلاح أشار للقوة بالتوقف، واختبأنا خلف أعمدة حجرية ضخمة. نظرنا من خلف الأعمدة، وراعينا المشهد الذي جمد الدماء في عروقنا!
في منتصف القاعة الأثرية الضخمة، كانت هناك صناديق خشبية ومذهبة مفتوحة، وممتلئة بالتماثيل والذهب والبرديات الأثرية النادرة! وكان يقف حولها ستة رجال مسلحين بأحدث الأسلحة الأوتوماتيكية، وفي منتصفهم.. كان يقف رجل عجوز، ذو شعر أبيض ملطخ بالدموع والتراب، يرتدي بدلة فاخرة وعلى وجهه جرح غائر قديم في خده الأيسر!
إنه العميد المتقاعد (فاروق التامي)! الزعيم الحقيقي للشبكة!
ولكن.. الصدمة الحقيقية لم تكن في وجود فاروق التامي.. الصدمة كانت في الرجل الذي كان يقف أمامه ويمسك بيده موجهة لـ رأسه مباشرة!
الرجل الذي كان
فاروق التامي ويحاول الاستيلاء على الصناديق الملكية لنفسه.. كان الشخص الذي لم يخطر على بال إنس أو جان في المنطقة كلها!
كان المحامي (شفيق).. المحامي الشهير اللي كان ماسك قضية طلاقي من حمدي، وكان بيتدخل بين أبويا وطليقي في القعدات العرفية وعامل نفسه الراجل الشريف اللي بيساعدنا بدون مقابل!
كان شفيق يضحك بصوت جنوني وهستيري في القاعة السفلية ويقول لـ فاروق التامي:
“خلاص يا فاروق بيه! زمانك انتشر وزماني أنا بدأ! أنت وجلال وحمدي وهدى كلكم بقيتوا كروت عند الأمن العام! صلاح الظابط جايلك في الطريق وهيقبض عليك أو .. بس أنا أذكى منكم كلكم! أنا اللي أدارت المخطط من الأول، وأنا اللي خليت عبد الصمد يحلف اليمين يوم طلاق نوال عشان نشتت الانتباه ونخلق فوضى في الحارة نقتحم بيها السرداب! ودلوقتي، الصناديق دي بتاعتي أنا وحدي، وهطلع بيها من الممر البحري على إيطاليا!”
فاروق التامي كان ينظر له بغل وقال بصوت بصاق:
“أنت مجرد جرو رخيص يا شفيق! أنا اللي عملتك وأنا اللي شريتك من الفقر! فاكر إنك تقدر تغدر بيا وتطلع برة السرداب ده حي?!”




