
فاروق ضغط على زرار صغير كان مخفي في حزامه.. وفجأة! اشتغلت أجهزة إنذار وصعق كهربائي ممدودة في أرضية السرداب! وشفيق وسقط على الأرض والسلاح وقع من إيده وهو بيتلوى من الألم والصعق!
في هذه اللحظة بالذات.. صلاح لم ينتظر ثانية واحدة!
قفز صلاح من خلف العمود الحجري كالنمر المفترس، وأطلق دفعة دقيقة على أيدي وأقدام حراس فاروق التامي، فسقطوا جميعاً يسيل منهم وطايرت في الهواء!
صلاح وقف في منتصف القاعة، موجه فوراً إلى رأس العميد فاروق التامي، وصوته الرعدي أركان السرداب الأثري:
“اثبت مكانك يا فاروق! اللعبة انتهت، وكابوس ثلاثين سنة من السرقة والخيانة د بيتقفل الليلة دي وتحت جزمة القانون!”
فاروق التامي بص لصلاح بذهول ورعب، ورفع إيديه ببطء وهو يرتعش وقال:
“أنت.. أنت صلاح ابن عبد الرحمن؟!”
صلاح قال بنبرة كبرياء وقسوة:
“أنا الظابط صلاح ابن عبد الرحمن الشريف اللي رفض يبيع دينه ووطنه عشان فلوسك! أنا الراجل اللي قفل ملفك وقفل ملف جلال وشفيق وحمدي وكل كلب فكر يمس شرف الحارة أو يسرق أرض مصر!”
القوات د من كل الجوانب وسيطرت على القاعة بالكامل، وتم تقييد فاروق التامي وشفيق المحامي الخائن بالكلابشات الحديدية، وجرهم على الأرض كالحشرات المفضوحة!
أبويا دخل القاعة، وبص لشفيق المحامي وفاروق وهم مكسورين، وقال بصوت عالي:
“يميني اللي حلفته يوم الطلاق مكنش ضياع.. ده كان غضب ربنا عليكم عشان يكشف خيانتكم وقذارتكم قدام الدنيا كلها!”
صلاح قرب مني ومن أبويا، ومسك إيدي وقبلها أمام كل الضباط والقوات، وقال بابتسامة نصر شريفة:
“تمت المهمة يا نوال.. والسرداب وأرض أبوكِ وحارتنا بقت في أمان الله والوطن.”
أنا بكيت من كثرة الفرحة والراحة، وحضنت أبويا وصلاح وأنا حاسة إن حياتنا أخيرًا تطهرت من كل شر وخوف.
لكن.. أثناء ما القوات بترحّل المتهمين والصناديق الأثرية للخارج.. قرب ظابط كبير من سلاح الإشارة، وسلم صلاح خطاب رسمي بختم النسر ومختوم بعبارة “سري وشديد الخطورة”..
فتح صلاح الخطاب وقرا كلماته ببطء.. وشه اتغير ونظر إليّ بنظرة حب عميقة ولكنها مليانة حزن ووداع!
صلاح مسك إيدي وقال بصوت دافئ ومكسور:
“نوال.. أنا أديت واجبي هنا وحميتك وحميت أرضك ووفيت بيمين أبوكِ.. بس الوطن طالبتني في مهمة جديدة وبرة مصر فوراً.. والجوازة دي كانت رسمية لحمايتك.. دلوقتي أنتِ حرة طليقة، وليكِ مطلق الخيار تثبتي جوازنا وتستنيني.. أو ترجعي حياتك من غير خطورة صلاح الظابط!”
تسمرتُ في مكاني وأنا أنظر إلى الخطاب في يد صلاح، وثم إلى عينيه اللتين كانتا تلمعان ببريق من الأسى الصادق والدفء الحنون. كانت الكلمات تخرج من لسانه كأنها قطرات من الرصاص، لكن في تلك اللحظة بالذات، بعد كل ما مررنا به من جحيم، لم تعد هناك مساحة في قلبي للخوف أو التردد.
مسكتُ إيده بكلتا يديّ وضغطتُ عليها بقوة، ثم رفعتُ رأسي وبصيتُ في عينيه بثبات وقلتُ له وصوتي مالي المكان:
“أنت بتتكلم عن الاختيار يا صلاح؟! الاختيار أنا أخذته من أول لحظة شفتك فيها بتوقف في وش الظلم وبترد كرامة أبويا وكرامتي! أنت مش مجرد ظابط أدى مهمته وخلصت.. أنت الراجل اللي ربنا بعته ليا ولأبويا عشان يرجع لنا شرفنا وأملنا في الحياة. لو مهمتك برة مصر هتعدي سنين، أنا هستناك هنا، وبجنب أبويا وأمي، ورأسي مرفوعة فوق لأنني زوجة الظابط صلاح عبد الرحمن!”
أبويا تقدم بخطوات واثقة، ووضع يده الثقيلة على كتف صلاح، والدموع في عينيه تمتلئ بفخر لم أره من قبل، وقال بنبرة هزت أركان القاعة الأثرية:
“سمعت بنتي قالت إيه يا بني؟! اليمين اللي أنا حلفته يوم طلاقها مكنش غلطة، ده كان ترتيب إلهي عشان يجمع بنتي بأرجل وأشرف راجل في البلد دي كلها! أنت جوز بنتي قدام ربنا والدولة والناس، والبيت ده بيتك والأرض دي أرضك، وأنا هفضل حارس عليها لحد ما ترجع لنا بالسلامة وتكمل فرحتكم!”
ابتسامة واسعة أضاءت وجه صلاح، واختفت نبرة الحزن من عينيه، وقبّل رأس أبويا ثم قبل يدي وقال بحنان عميق:
“أوعدك يا نوال.. المرة دي مش هغيب كتير، وحق الوطن اللي طالع أدافع عنه هو نفسه الحق اللي بيحميكي وبيحمي أرضنا هنا.”
مرت الساعات والقبض على العميد المتقاعد فاروق التامي، وجلال الخائن، وشفيق المحامي، وحمدي طليقي وأمه وأخته!
أما الحارة.. فقد انقلبت رأساً على عقب! خرج أهل المنطقة جميعهم إلى الشوارع، ليس للتريقة ولا للضحك هذه المرة، بل ليزفوا خبر براءة وشرف الحاج عبد الصمد، وليرفعوا اسم صلاح الظابط الذي عاش بينهم سنتين كامليتين في هيئة “مجذوب” ليحمي أرضهم ويطهر منطقتهم من الفساد.
طليقي حمدي وأمه وأخته خرجوا من التخشيبة ومسحوبين إلى السجن بملابس الحبس الزرقاء، يمرون من وسط الشارع والناس ترميهم بالخزي والعار! أمه التي كانت تباهي بابنها وتقول “ابني عاقل ورمى مجنونة”، أصبحت تبكي وتسير مطأطأة الرأس، وأخته التي كانت تتمنى لي السرايا الصفرة أصبحت تقاد إلى زنازين النيابة العامة بتهم التستر والمشاركة في أعمال !




