عام

حكايات امانى 2

وصلت نادية لبيت أبوها في حارة صغيرة بالجمالية، نزلت من التاكسي وهي شايلة الشنطة اللي فيها شقا عمرها. طلعت السلم البطيء، وقلبها بيدق، مش خوف من المواجهة، بس كان ذل السنين بيتردم تحت كل خطوة.

فتحت لها أختها الكبيرة “سعاد”، وبصت لها بذهول لما شافت الشنطة وعينيها الشاحبة.

سعاد: “نادية؟! مالك يا أختي؟ وشك أصفر كدة ليه؟ وإيه الشنطة دي؟”

نادية دخلت، حطت الشنطة في نص الصالة، وقعدت على أقرب كرسي خشبي بخطوات هادية، أصلها كانت حاسة إن حزنها تقيل بس كرامتها أتقل.

خرج أبوها “عم صابر” من أوضته وهو بيسند على عصايته، وراه أمها “الحاجة فاطمة”.

عم صابر: “في إيه يا نادية؟ محمود جراله حاجة؟ العيلة فيها حاجة؟”

نادية بصت لأبوها بثبات وابتسامة وجع:

“محمود اتجوز عليا يا با.. جاب مراته الجديدة الحامل لحد عندي، وقعدوني أخدمها هي وأمه وأخته، وقالوا لي إن صحتي اللي ضاعت في خدمتهم مالهاش لازمة عندهم خلاص.”

أمها صرخت وحطت إيدها على صدرها، وعم صابر اتسمر مكانه وعينيه احمرت من الغضب:

“الندل! أصلك يا بنتي كنتي ساترة عليهم وصابرة على الفقر والتعب، تقوم دي جزاتك؟ قومي معايا يا نادية، والله لأروح أواجههم وأطلب حقك!”

نادية وقفت ومسكت إيد أبوها بالراحة:

“لا يا بابا.. رجلك ما تطأش بيتهم، ولا حد فيكم ينزل نفسه ليهم. الحق مش بيتاخد بالصوت والخصام، الحق بياخده اللي بيعرف يتصرف صح. أنا أخدت ورقي كله، معايا التقارير الطبية، ومعايا العقد العرفي اللي يثبت إن لي نص الشقة بفلوس دهبي، ومعايا الأصول اللي اتكتبت بيننا. الشارع ده والبيت ده مش هيشوفوا مني دمعة واحدة، هما اللي هيشوفوا مني قوة.”

في نفس الوقت، في بيت العيلة، كان الموقف بيتفجر من أول ساعة.

الصالة كانت مكركبة، القزاز المكسور لسه على الأرض، والصينية المقلوبة ريحتها ظهرت في المكان. هدير كانت قاعدة في الأوضة وقافلة على نفسها بالمفتاح وبتتكلم في التليفون بتشتكي لأهلها، وعفاف واقفة في المطبخ بتتحلطم وهي بتحاول تعمل الشاي ومش عارفة تلاقي حاجة.

عفاف، بصوت عالٍ: “يادي المصيبة! الست نادية كانت حاطة السكر فين؟ المطبخ زي الزريبة! دي كانت مخلية كل حاجة تحت إيدها عشان تحسسنا إننا من غيرها ولا حاجة!”

الحاجة أسرية قعدت على الكنبة وهي بتتأوه وتفرك ركبتها:

“يا محمود! تعالى يا بني شوف أختك، وشوف السقيعة اللي جوة دي! هي دي اللي حبلت وجايبة لنا الويل؟ قوم خليها تطلع تلم المكان ده وتعمل لنا لقمة ناكلها، أنا ركبي بتتعبني وما أقدرش أقف!”

محمود كان قاعد ماسك راسه بإيديه الاثنين، عقله بيغلي. خرج من الصالة وراح خبط على باب أوضة هدير:

“افتحي يا هدير! افتحي بلاش دلع هوانم! البيت مكركب وأمي تعبانة، انزلي لمي المكان ده!”

هدير فتحت الباب وشها أحمر من الغضب، وركبتها بتترعش:

“أنا دلع هوانم؟ إنت ضحكت عليا يا محمود! قلت لي إن عندك واحدة في البيت شايلة المسؤولية عنكم كلكم، وإن أنا هاجي معززة مكرمة عشان الحمل! اتاريها مشيت، وعيلتك عايزين يشغلوني مكانها! أنا مش هقدر أشيل مسؤولية البيت دي، وأبويا جايلي في السكة يا محمود!”

محمود صرخ في وشها:

“أبوكي مين يا هانم؟ إنتي في بيتي، والبيت ده له أصول، واللي يسري على الكل يسري عليكي!”

وقبل ما محمود يكمل كلامه، الجرس رن بعنف ورزع متواصل هز الباب.

عفاف جرت فتحت، وكانت الصدمة..

دخل “حسين” أخو نادية الكبير، ووراه اثنين من أصحابه من الحارة، ووشوشهم جادة. حسين دخل نص الصالة وهو حاطط إيده في جيبه، وبص للمكان باستنكار.

حسين، بصوت جهوري: “فين سي محمود؟”

محمود خرج مسرع من الأوضة وشكله متوتر:

“في إيه يا حسين؟ دخلتك دي مش عاجباني، إنت داخل بيت ناس ولا إيه؟”

حسين قرب منه وبص له بثبات:

“بيت ناس لما تكون راجل وصاين أمانتك يا محمود! لكن لما تسيب أختي وتجيب لها واحدة قعدتها تخدمها وتعايرها بتعبها، يبقى لازم نقف ونحاسب بعض بالكلام والعقل.”

الحاجة قامت بتوتر:

“إنت بتتكلم معانا كده في بيتنا يا حسين؟ وفين نادية اللي راحت تسلطكم علينا؟”

حسين تلفَّت للحاجة بنظرة باردة:

“نادية مش ضعيفة يا حاجة.. نادية كانت صابرة عشان فاكرة إنكم أهلها. بس خلاص، السكوت انتهى. أنا مش جاي أتشاكل، ولا جاي أعمل مشكلة معاك يا محمود، أنا جاي أبلغك بكلمتين.”

محمود: “كلمتين إيه؟ اتفضل قول وطلع برة بيتي!”

حسين طلع من جيبه مظروف أبيض وحطه على الطاولة في نص الصالة:

“ده إخطار رسمي بالإجراءات القانونية.. أختي بدأت إجراءات الطلاق للضرر، وإجراءات المطالبة بحقوقها الزوجية، وطلبت تمكينها من نصيبها في الشقة بناءً على الورقة العرفية اللي معاها والتي تثبت مشاركتها في التمن، وغير التقارير الطبية والشهود من الجيران اللي هيشهدوا على الظروف الصعبة اللي عاشتها.”

محمود وشه اتقلب أصفر، وعفاف شهقت وسندت على الحيطة.

حسين كمل كلامه بثقة:

“ومش بس كدة.. من بكره الصبح، هيوصلك إخطار رسمي بطلب المؤخر والنفقات والحقوق المالية. الشقة دي لو ما اتسوتش حقوق نادية فيها بالاتفاق، الإجراءات القانونية هتكمل للنهاية.”

هدير صرخت من الأوضة:

“إيه؟! شقة إيه اللي هتدخل في الموضوع؟ إنت كداب يا محمود! إنت قلت لي الشقة دي ملكك وخالصة!”

محمود مش قادر ينطق، لسانه اتعقد. هو عارف إن نادية معاها العقد الأصلي اللي كتبه بخط إيده لما أخد دهبها وباعه عشان يشتري الشقة، وكان فاكر إنها نسيت أو ضيعت الورقة مع السنين.

حسين قرب من محمود وقال بتهكم:

“جهّز نفسك يا عريس.. الإجراءات طويلة، والفلوس اللي كنت محوشها عشان الاحتفال هتصرف منها على المحامين والمطالبات. وعن إذنكم بقى.. تسلم إيدكم على الضيافة.”

خرج حسين وأصحابه وقفلوا الباب وراهم، وساد البيت صمت ثقيل.

في اللحظة دي، دخل أبو هدير وإخوتها الاثنين، وشافوا الكركبة والورقة البيضا على الطاولة، وهدير بتعيط وبتحزم شنطتها.

أبو هدير، بصوت حاد: “في إيه هنا؟ إيه اللي بيحصل يا محمود؟ إيه الورق ده؟”

هدير جرت على أصلها وهي بتعيط:

“يا بابا الحقني! طلع الموضوع أكبر مما قال، والبيت عليه إجراءات، والست اللي كانت هنا بدأت تطالب بحقوقها، وأهله عايزين يشغلوني مكانها!”

أبو هدير بص لمحمود بنظرة استنكار:

“بقى كدة يا محمود؟ بتضحك علينا وتجيب بنتنا في بيت مليان مشاكل؟ تعالي معايا يا هدير، مش هتقعدي هنا لحد ما نشوف الموضوع ده حكايته إيه!”

محمود مسك إيد أبو هدير يترجاه:

“يا عمي استهدى بالله! الموضوع بسيط ودول بيكبروا الموضوع عشان يضغطوا عليا، هدير مراتي وبطنها فيها ابني!”

أبو هدير سحب إيده منه:

“ابنك لما تتعدل وتكون راجل وتحمي بيتك وتوفر لبنتي عيشة معززة، مش عيشة مشاكل وخدمة! يالا يا بت!”

أخد أبو هدير بنته وشنطتها وخرجوا، وسابوا محمود وأمه وأخته واقفين في نص الصالة المكركبة.

الحاجة قعدت على الأرض وهي بتصرخ وتبكي:

“يا لهوي يا فضيحتي في المنطقة! البيت اتقلب في يوم واحد! البت نادية عملت فينا كدة؟ البت اللي كانت شايلة مسؤولية البيت كله؟”

عفاف بصت لأخوها بقلق:

“محمود.. هنعمل إيه في الموضوع ده؟ إنت معاك فلوس للمحامي والمؤخر؟”

محمود وقع على الكرسي، وبص حولين منه.. الصالة ضلمة، الأطباق المكسورة لسه مرمية، المطبخ كركبة، مراته الجديدة مشيت وهي حامل، وأمه وأخته عاجزين ومش عارفين يتحركوا.

حاسس إن الحيطان بتضيق عليه، وإن روح نادية اللي كانت شايلة البيت ده كله سحبت معاها الحياة والبركة والأمان.

في بيت أهل نادية، نادية كانت قاعدة في البلكونة، ماسكة كوباية شاي دافية، وبتتفرج على الشارع. عينها كانت هادية، مفيش فيها ندم ولا كسرة.

حسين دخل عليها وابتسم:

حسين: “الورق اتسلم يا نادية، والخبر وصل لهم زي الصاعقة. أبو مراته الجديدة أخدها ومشيت، والإجراءات القانونية هتبدأ من بكره.”

نادية بصت للسما وابتسمت ابتسامة صافية لأول مرة من سنين، وقالت بصوت هادي وثابت:

“خليهم يعرفوا قيمة اللي عشته.. بداية الحساب لسه بادية، واللي جاي هيكون أصعب يا محمود.”

مرت ثلاثة أيام على ليلة الانفجار، وكانت حارة “الجمالية” تسير بنظام جديد؛ نادية لم تعد تلك المرأة المنكسرة التي تقضي يومها بين البخار والمنظفات، بل استعادت بريقها الحقيقي.

ارتدت ثوباً أنيقاً باللون الكحلي، وحجاباً مرتباً، وجلست في مكتب الأستاذ “عبد القادر”، المحامي العتيق المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية، وبجوارها أخوها حسين.

الأستاذ عبد القادر وهو يفحص الأوراق وينظف نظارته:

“ما شاء الله يا نادية.. الأوراق اللي معاكي قوية جداً، والتقارير الطبية المحررة في المستشفى الحكومي أثناء فقدان حملك الثاني بتوضح الظروف الصحية الصعبة اللي تعرضتي لها، وشهادة الجيران اللي حاولوا يخفوا كلامهم متسجلة، ده غير عقد الاتفاق العرفي بخصوص الشقة وذهبك المبيّع.”

نادية، بصوت رصين وثابت:

“أنا مش عايزة غير حقي يا أستاذ عبد القادر.. مش عايزة أظلمهم، بس مش هسيب سنتيمتر واحد من كرامتي ولا قرش واحد من شقايا.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى