
مسكت الورقة في إيدي، وعيني على الرقم: **40 مليون دولار**.
سكون قاتل ساد الشقة. المطرة بره كانت خفت، بس الجو جوه كان مشحون بتهديد حقيقي. أي حد تاني كان ممكن يترعش أو ينهار، بس أنا الـ 8 سنين اللي بنيت فيهم إمبراطوريتي من الصفر علّموني إن الخوف هو أول خطوة للإفلاس.
سحبت كرسي وقعدت قدام المكتب. مسكت التليفون وكلمت رئيس فريق الأمن الخاص بيا، وصوته جه متوتر: “أيوة يا سارة هانم؟”
“طارق.. المؤتمر الصحفي بتاع النهاردة.. محتاجة تفريغ كامل لكل كاميرات القاعة، وخصوصاً الكاميرات الموجهة للترابيزة اللي كنت قاعدة عليها. فيه حد حط ظرف في شنطتي من غير ما حد ياخد باله.. محتاجة وشه أو أي خيط خلال ساعتين.”
“تحت أمرك يا فندم، هتحرك فوراً.”
قفلت معاه وطلعت الملفات القانونية والمالية لشركة “الماسة” اللي أخدتها من عمو مجدي ورامي. بدأت أقلّب في السجلات المورّدة والتراخيص القديمة صفحة صفحة. مجدي مكنش شاطر كفاية إنه يغطي أثاره؛ كان فيه حسابات أوفشور في بنك قبرصي بتتكوّد تحت بند “استشارات هندسية ودراسات جدوى”، وبيتحول لها مبالغ ضخمة شهرياً من غير أي فواتير مقابلها.
مجدي مكنش مجرد راجل أعمال فاشل ومديون.. مجدي كان غسالة أموال لشخص أقوى منه بكتير، ولما الشركة أفلست ورامي حاول يلبسني الحسابات، الكارت ده وقع في إيدي أنا.
تاني يوم الصبح، دخلت مكتبي في شركة “فيكتور”. طارق دخل ورايا ومسك فلاشة حطها على التلفزيون المعلق.
“سارة هانم.. دي لقطة من كاميرا الممر الجانبي للقاعة.”
الڤيديو اشتغل. المحت راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي أنيقة جداً، بس نص وشه متغطي بنظارة شمسية. في زحمة المصورين لما كنت بصلح المايك، قرب ببراعة ومن غير ما يدفع أي حد، حط الظرف في فتحة الشنطة الجانبية واختفى بين الحضور في أقل من 3 ثواني.
“عرفت مين ده يا طارق؟”
طارق نزل راسه بتوتر: “ده **عاصم المحروقي**.. رئيس مجموعة ‘المحروقي القابضة’.. الراجل ده مبيظهرش في الإعلام كتير، بس في السوق العقاري والمالي، كلمته سيف. هو اللي كان بيضخ السيولة الخفية لشركة الماسة عشان يغطي على عملياته.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة: “يعني عاصم فاكر إنه يقدر يرهبني برسالة في ظرف أسود؟ فاكر إني زي مجدي هترعش وأجري أستلف عشان أدفعله؟”
طرق المدير المالي الباب ودخل وهو ماسك تقرير عاجل: “أستاذة سارة.. فيه حاجة غريبة بتحصل في البورصة من أول ما السوق فتح! أسهم شركتنا ‘فيكتور اللوجستية’ بتتعرض لهجوم بيع مكثف، وفيه محفظة مجهولة بتضغط عشان تنزل القيمة السوقية للشركة!”
بصيت للتقرير، الحركة دي كانت مدروسة. عاصم المحروقي مكنش مستني الـ 7 أيام؛ كان بيبدأ يكسر عضمي في السوق عشان يمتص سيولتي ويجبرني أجيله راكعة وأطلب التفاوض.
وقفت ورا مكتبي وقلت بصوت صارم: “المدير المالي يجهز محفظة السيولة الطارئة.. مش هندافع عن الأسهم دلوقتي. سيبوه ينزل السهم زي ما هو عايز.”
المدير المالي اتخض: “نسيبه ينزل السهم؟ كده الخسائر الدفترية هتوصل لمليون دولار في اليوم!”
“سيبوه ينزل لحد ما يوصل للقاع.. وساعتها هنسحب كل الأسهم المعروضة برخص التراب ونرد ضربته في صدره. بس الأول.. محتاجة أتقابل مع عاصم المحروقي وشاً لوش.”
بعت رسالة على نفس الرقم اللي كان مطبوع أسفل الورقة في الظرف:
*”عاصم بيه.. الـ 40 مليون دولار بتوعك جاهزين.. بس التسليم مش هيبقي في مظروف. مستنياك النهاردة الساعة 9 بالليل في القاعة الملكية بالمطعم اللي اتعشيت فيه مع عيلة رامي.. خلي البداية والنهاية في نفس المكان.”*
رد الرسالة جه بعد دقيقتين بس:
*”عجبني هدوءك يا سارة.. هكون هناك.”*
في تمام الساعة تسعة بالليل، المطعم كان محجوز بالكامل ليا وله. النور كان خافت، وصوت الموسيقى الهادية مالك المكان.
قعدت على الترابيزة الرئيسية، نفس الترابيزة اللي سمعت عندها رامي وأمه من أسبوعين. كنت لابسة فستان أسود أنيق، وحاطة قدامي شنطة جلد صغيرة.
الباب اتفتح، ودخل عاصم المحروقي. حضور هيبة، نظرات ثاقبة، وابتسامة واثقة لواحد حاسس إنه ماسك كل الخيوط في إيده. قعد قدامي وسند إيديه على الترابيزة:
“سارة هانم.. مش أي حد يقدر يرفع سقف التحدي معايا بالسرعة دي. بصراحة، عجبتني شجاعتك.. بس الشجاعة في السوق لما تزيد عن حدها بتبقى غباء.”
سكبت كاس مية وقلت ببرود: “وعاصم بيه لما يفتكر إن كل الستات زي عيلة مجدي ينفع يترهبوا.. ده بيبقى عمى ألوان.”
عاصم ضحك بصوت عالي: “مجدي؟ مجدي ده كان مجرد واجهة غبية. كان بياخد نسبي وبيغطي حساباتي المهربة تحت أوراق مشاريع وهمية.. لما جيتي إنتي واشتريتي أصول الماسة، إنتي بلعتي الديون والمسؤولية القانونية. الـ 40 مليون دول مش مجرد رقم.. دول حصتي اللي مجدي طيرها، وإنتي دلوقتي المسؤولة عنها قدامي.. قدام القانون.. وقدام النائب العام لو الملفات دي اتفتحت.”
طلعت الشنطة الجلد، وحطيتها في نص الترابيزة بيننا.
عاصم بصلها بابتسامة نصر: “شاطرة.. التفكير العقلاني بيوفر وقت كتير.”




