
انا متجوزه من ست شهور وبابا كان جايبلي تكييف في جهازي وحطيته في الصاله وحماتى كل يوم تطلع عندى وتقول التكيف بيصرف كهرباء كتير انتى مش هامك مصاريف كهرباء وله شايله هم حاجه قولتلها ياماما انا الى بدفع فاتوره الكهرباء من مرتبى انا موظفه وبقبض قالت خلاص التكييف ده ينزل شقتى انا انام عليه!!!!
ست شهور بس متجوزة “محمود”، ست شهور وأنا بحاول أعدي وأفوت عشان الحياة تمشي. التكييف اللي في الصالة ده ما كانش مجرد جهاز بالنسبة لي، ده كان هدية أبويا ربنا يخليه لي وطول في عمره، جابهولي في جهادي عشان عارف إني بجيب آخري من الحر ونفسي بيكتم.
فجأة، جرس الباب رن. رنة طويلة ومستفزة، رنة حماتي “أم محمود”. فتحت الباب وابتسمت ابتسامة هادية:
* صباح الخير يا ماما، اتفضلي.
دخلت وعينيها بتلف في الصالة زي الرادار، ورفعت حواجبها أول ما سمعت صوت زنين التكييف وهو شغال:
* برضه مأيدة الزفت ده؟ أنتِ إيه يا بت، مش هامك مصاريف الكهرباء ولا شايلة هم حاجة؟ الدنيا برة ولعة وأنتِ قاعدة لي هنا في التلج ولا على بالك الشقا والتعب!
اتنفست بصعوبة وقعدت قدامها وقولت بنبرة هادية بس ثابته:
* يا ماما، أنا اللي بدفع فاتورة الكهرباء من مرتبياستقطاع من قبضي كل شهر. أنتِ نسيتِ إني موظفة وبصرف على شغلي واحتياجاتي؟ يعني مش محملة ابنك مليم فوق طاقته.
لفت وشها الناحية التانية وحطت إيدها في جنبها، وقالت بصوت طالع من مناخيرها:
* خلاص! دام قادرة قوي كده والتكييف ده عامل مشكلة، التكييف ده ينزل شقتي تحت، أحطه في أوضة نومي عشان الجو حر عليا ومبقدرش أنام من الفرهدة.
دمي غلى في عروقي، بس مسكت نفسي بالعافية وقالت لها:
* يا ماما، ده بابا جيبهولي في جهازي عشان أنا بتعب من الحر وزي ما أنتِ شايفة الصالة بحري والشمس دبة فيها طول النهار. لو عاوزة تكييف، اشتري واحد، أو خلي ابنك يشتريلك واحد يركبهولك تحت!
هنا بقى وشها اتغير، وعينيها برقت، وقامت وقفت وطبطبت بإيدها على درابزين الكنبة بقلة ذوق وقالت:
* ما الشقة شقة ابني! وأنتِ قاعدة فيها بجميلنا! في إيه لما آخد التكييف؟ هي الحاجة اللي في شقة ابني مش من حقنا ولا إيه يا ست الموظفة؟
وسابتني ونزلت وهي بتدبدب على السلم وتبرطم بكلام مش مفهوم. قعدت على الكنبة وأنا إيدي بترعش من الغيظ. مستنية محمود يرجع من الشغل عشان أشوف حل في المهزلة دي.
أول ما محمود دخل، لقاني قاعدة في الضلمة وقافلة التكييف.
* في إيه يا عبير؟ مالك قاعدة كده ليه؟
حكيت له كل اللي حصل بالحرف، ودموعي نزلت من الإهانة. محمود كشر وحك دقنه وقالي:
* معلش يا عبير، كبري مخك، دي ست كبيرة وأمي برضه، مش قصدها حاجة.. هي بس بتتعفرت من السخونية تحت.
* يعني إيه يا محمود؟ يعني تاخد حاجتي اللي بابا شقيان فيها؟
* محدش بياخد حاجة يا ستي، هدي اللعب بس وخليني أكلمها بالراحة.
عدى اليومين دول بالعافية، وكانت النبرة بيني وبين حماتي مشحونة ونار تحت التلج. وفي يوم الخميس، جاتلي مكالمة من ماما:
* تعال يا عبير قضي اليوم معايا، عملالك الغدا اللي بتحبيه، وتعالي بدري شوية نقعد مع بعض.
لميت حاجتي واستأذنت من محمود، ونزلت. وأنا نازلة على السلم، لمحت حماتي واقفة في باب شقتها، بصتلي بصة نصر وكأنها بتبتسم ابتسامة خبيثة ومقالتش ولا كلمة، ولا حتى “تروحي وترجعي بالسلامة”. طنشت وقلت في بالي أشتري دماغي وأروح أفك عن نفسي شوية عند أمي.
قضيت اليوم عند أمي، أكلت وضحكت ونسيت القرف والضغط اللي أنا فيه. وعلى الساعة ثمانية بالليل، محمود كلمني وقال إنه هيتأخر في القهوة مع أصحابه، فقلت أرجع أنا الشقة أريح عشان ورايا شغل الصبح.
أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، دخلت الشقة.. كانت الدنيا ضلمة وسكتة خالص. ولعت النور، ورحت المطبخ عشان أشرب كوباية مية ساقعة وأغير هدومي.
أول ما دخلت المطبخ، عيني جت على الرخامة اللي جنب الثلاجة..
الرخامة كانت فاضية تماماً!
الميكرويف الجديد اللي جايباه بفلوسي، اللي بقسطه من مهيتي عشان يسهل عليا تسخين الأكل بعد ما أرجع من شغلي.. مش موجود!
#الكاتب__رومانى__مكرم__
وقفت مذهولة، أبص يمين وشمال، الفيشة متدلدلة على الأرض والرخامة مسحوبة منها العفرة. طلعت أجري على الصالة، لقيت التكييف زي ما هو، بس المطبخ متقلب!
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة على السلم، خرجت وبصيت من السور، لقيت “سمر” اخت محمود ومرمية على كتافها كرتونة الميكرويف وبتحملها في عربية جوزها تحت، وحماتي واقفة جنبها على باب الشارع بتضحك وتقولها:
* خذيه يا بت يا سمر، ده ينفعك في شقتك الجديدة، أهو يرحمك من وقفة المطبخ في الحر، وأهو من خير شقة أخوكي!
طلعت على السلم يجري، صوت خطواتي كان بيصحي العمارة كلها، وضربات قلبي كانت أسرع من رجلي. نزلـت الدبش في دماغي وأنا شايفه شقايا وشقا أبويا بيتاخد عيني عينك وجوزي نازل يقعد على القهوة ويقولي “كبري مخك”.
أول ما وصلت لباب الشارع، سمر كانت بتركب العربية وجوزها بيقفل الشنطة على كرتونة الميكرويف. حماتي كانت واقفة حاطة إيدها في جنبها ومبتسمة ابتسامة النصر.
طلعت صاعقة من حسرتي وقبل ما العربية تتحرك:
* وقفي عندك أنتِ وهو! الفتحة دي مش هتحرك من مكانها، والميكرويف ده يرجع مكانه حالاً!
سمر اتخضت ولفت وشها، بس حماتي اترسمت على وشها جلمدة ووقفت في وشي بكل بجاحة:
* جرى إيه يا بت أنتِ؟ صوتك ما يعلاش في الشارع! بتزعقي لمين وعشان إيه؟
* بفيش إيه يا حماتي؟ أنتِ دخلتي شقتي في غيابي وفتحي ببابي بالمفتاح الثاني وطلعتِ حاجتي تديها لبنتك؟! ده اسموش خير شقة أخوها، ده اسمه سرقة!
كلمة “سرقة” نزلت عليها زي الصاعقة، وشها احمر وعينيها برقت، وجوز سمر نزل من العربية وهو بيبلع ريقه ومكسوف من المنظر، بس حماتي صرخت بصوت هز الشارع:
* سرقة؟! بتتهميني بالسرقة يا بت الـ… في شقة ابني؟! الحاجة اللي في بيت ابني ملك ابني، وأنا أدي لابنتي اللي أنا عاوزاه! أنتِ جاية تتنططي علينا بقرشين الموظفين بتوعك؟
جوز سمر قرب بالراحة وقال بنبرة ملخبطة:
* يا جماعة اهدوا، عيب الكلام ده في الشارع، الناس بتتفرج علينا.. يا طنط خلاص نزلوا الميكرويف مش أزمة..
حماتي زقته بغل وقالتله:
* ما تنزلش حاجة يا إبراهيم! الحاجة دي تروح معاك، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل! الشقة شقة ابني، واللي فيها بتاع ابني!
في اللحظة دي، طلعت تليفوني وإيدي بترعش من القهر والغيظ. اتصلت بـ “محمود”. الرنة الأولى، الثانية.. لحد ما رد وصوت القهوة والدومينو ورائه:
* إيه يا عبير؟ وصلتِ الشقة ولا إيه؟
صوتي خرج مبحوح ومحروق:
* انزل يا محمود.. انزل حالاً وشوف أمك وأختك وهما بينقلوا عفش شقتك وحاجتي اللي شرياها من عرقي لعربية أختك في الشارع! انزل شوف السرقة اللي بتحصل جهاراً نهاراً!
سكت محمود ثواني، وصوت الضجة وراه اختفى، وقال بزهق وتوتر:
* عبير! أنتِ بتهببي إيه؟ سرقة إيه وكلام فارغ إيه؟ أنا جاي فوراً.
خمس دقايق وكان محمود نازل يجر رجله، أول ما شاف المنظر: أخته واقفة جنب العربية، وجوزها عرقان ومحرج، وأمه واقفة زي الأسد بتشرار، وأنا واقفة على أول السلم بدموعي اللي محبوسة بالعافية.
محمود قرب بقلة حيلة وقال:
* في إيه يا جماعة؟ فضحتونا في الشارع! إيه كرتونة الميكرويف دي يا سمر؟
أمه اندفعت قبل ما حد يتكلم، وحطت إيدها على صدرها وبدأت تمثل الدور:
* تعالى يا محمود! تعالى شوف الست هانم الموظفة اللي جايبها تقعد في خيرك، واقفة بتشتمني في الشارع وتقول عليّ حرامية! عشان خدت الميكرويف لأختك الغلبانة تسخن فيه أكل عيالها بدل ما هو محطوط عندك زينة! بتقل خيرك على أختك عشان حتة بتاعة صاج!
محمود بص لي بعتاب وضيق، وقال بنبرة هادية بس مموتة قلبي:
* يا عبير.. جرى إيه بس؟ هي كبرت في رأسك ليه كده؟ أختي مش غريبة، وبعدين أمي خدته بعلمي.. أنا كنت هقولك لما أرجع!
الجملة دي نزلت عليّ زي المية المغلية.. “أني خدته بعلمي”!
وقفت أترعش وبصيت له بذهول:
* بعلمك؟! يعني أنتِ اديتها مفتاح الشقة ودخلت في غيابي طلعت حاجتي اللي بقسطها من مهيتي بفلوس شغلي وطردي وشقايا؟ أنتِ بتستغفلني يا محمود؟
محمود مسك دراعي بيحاول يداري الموقف قدام الشارع وقال بصوت واطي:
* أوعي تعلي صوتك عليّ! أختي ظروفها على قدها، وأنتِ معاكِ مرتبك وتقدر تجيي غيره، وبعدين أمي طلبت مني الميكرويف والتكييف عشان أختك، وأنا قولت الميكرويف مش مشكلة نراضيها بيه بدل التكييف اللي عاملي مشكلة! اهدكِ بقى وكبري مخك وما !
في اللحظة دي، حسيت إن السقف اتهد على دماغي. محمود مش بس ضعف قدام أمه، محمود فتح باب شقتي وشرعني وخان أمانتي وباع شقايا عشان يشتري رضا أمه على حساب كرامتي.
حماتي ابتسمت ابتسامة النصر الخبيثة وقالت لسمر:
* اركبي يا بت العربية، أخوكي سي السيد في بيته وعارف أصوله، مش زي ناس!
سمر ركبت وجوزها دور العربية ومشيوا. ومحمود مسكني من دراعي بيزقني بالراحه عشان نطلع الشقة:
* يلا اطلعي فوق بلاش فضايح، الناس بتبص علينا من البلكونات.
نفضت إيده عني بكل قوتي، وبصيت له بعين مليانة كره وقرف من الضعف اللي هو فيه، وقولت بصوت ثابت وهادي هز الشارع كله:
* الشقة دي أنا مش طالعة فيها تاني يا محمود.. والميكرويف ده مش هسيبه، لا هو ولا التكييف ولا أي حاجة بابا جابهالي أو اشتريتها بقرشي.. أنت بعتني وخنت أمانتي عشان أرضيت أمك، وأنا مش هعيش مع راجل بيمد إيده في جيبي وياخد شقايا يديه لأهله!
لفيت وشي ومشيت في الشارع بخطوات سريعة ودموعي نازلة تحرق وشي، ومحمود ينادي ورايا بغضب:
* عبير! استني هنا! لو مشيتِ دلوقتي مش هترجعي تاني! لو مشيتِ هتبقى أنتِ اللي اخترتِ!
ما لفتش وشي، كملت مشي في الضلمة، والتليفون في إيدي بيرن.. الرنة المرة دي كانت من بابا.
مسكت التليفون وإيدي بتتفاض، حطيت السماعة على ودني وأنا بحاول أبلع ريقي وأظبط صوتي عشان بابا ما يحسش بكسرتي، بس أول ما سمعت صوته الحنين وهو بيقول:
* إيه يا عبير يا حبيبتي، وصلتِ شقتك ولا لسه عند أمك؟
ما قدرتش أمسك نفسي.. الشهقة خرجت من صدري مجروحة، والدموع اللي كنت حابساها نزلـت زي السيل. بابا اتخض وصوته اتغير في ثواني من الحنية للقلق والحرقة:
* عبير! مالك يا بنتي؟ في إيه؟ محمود جراله حاجة؟ حد ضايقك؟ اتكلمي يا بنتي قلقشيني!
رديت وأنا بنهج في الشارع والناس بتعدي من جنبي يبصوا عليّ:
* تعال خذني يا بابا.. تعال خذني من الشارع، أنا مش راجعة الشقة دي تاني!




