
ما كملتش خمس دقائق، وكانت عربية بابا واقفة على أول الشارع الرئيسي. نزل منها بيجري، أول ما شافني واقفة على الرصيف بعيط، حضنني بقوة وطبطب على ضهري وهو بيسمي عليّ. ركبت جنبه وسكت خالص طول الطريق، لحد ما وصلنا البيت. أمي استقبلتني بالدموع والشهقات لما شافت منظري، وقعدت على الكنبة وحكيت لهم كل حاجة.. من أول كلمة التكييف وتلقيح حماتي، لحد ما محمود فتح شقتي بمفتاحه ودخل أمه وأخته يسرقوا الميكرويف اللي بقسطه من مرتبيا واستغفالهم ليا.
أبويا وشها احمر، وعروق إيده برزت وهو ضاغط على قبضته، وقف وقال بصوت يهز البيت:
* بقى يجيبوا بنتي اللي شقيان عليها عشان يذلوها؟ وياخدوا شقاها بغير حق ويقولوا شقة ابننا؟ والله ما هسيب حقك يا عبير، والجدع ده لو فاكر إنك مقطوعة من شجرة هعرفه مين هو عبد الله!
في نفس اللحظة، تليفون بابا رن.. كان محمود.
بابا فتح السبيكر ورد بصوت زي الحديد:
* أيوة يا محمود.
صوت محمود كان متوتر وفيه نبرة غضب متحفزة:
* أيوة يا عمي.. بنتك سابت البيت ومشيت في الشارع قدام الناس وفضحتنا، وأنا بكلمك عشان تيجي ترجعها وتعقلها، الكلام ده ما ينفعش معايا!
بابا ضحك ضحكة استهزاء وجع، وقال بصرامة:
* ترجع مين يا ابن الأصول؟ أنت فاكر بنتي ملهاش ظهر ولا مالهاش كرامة؟ أنت مدين إيدك على حاجة مرتك اللي جايباها بفلوسها وشقاها ودخلت أهلك شقتها في غيابها يقلبوا في حاجتها؟ ده شغل عصابات مش شغل رجال!
محمود اتلخبط وبدأ يعلي صوته بيحاول يداري خيبته:
* يا عمي دي أمي وأختي! وبعدين الميكرويف مش قضية، أنا كنت هجيب لها غيره، بس هي كبرت الموضوع وقلت أدبها على أمي في الشارع!
* الميكرويف بفلوسها يا محمود! والتكييف اللي عين أمك منه ده هديتي ليها عشان بتتعب! وبنتي ما قلتش أدبها، بنتي دافعت عن حقها من ناس طمعانة في شقا غيرها.. وحق بنتي كله هيرجع، التكييف والميكرويف وكل القش اللي جايبينه في جهازها، بكرة الصبح هتعرف مين اللي هيكبر الموضوع!
بابا قفل السكة في وش محمود من غير ما يستنى يترد عليه. الليلة دي ما نمتش، كنت بحس بكابوس، ست شهور بس وجوزي يبيعني عشان يرضي طمع أمه وأخته.
ثاني يوم الصبح، الساعة تسعة، بابا اتصل بعمي الكبير وإخواته الولاد، وجمعهم. وقال كلمة واحدة: “يلا بينا نجيب حق عبير”.
طلعنا على العمارة، أربعة رجال وبابا وأنا معهم. أول ما وصلنا، كان باب شقة حماتي مفتوح، وصوت الضحك والتلفزيون طالع منها. بابا ما خبطش على شقة محمود فوق، نزل على شقة حماتي مباشرة ودق الباب بدبش.
حماتي فتحت الباب وهي لافّة طرحتها، أول ما شافت بابا وإخواته ورايا، ابتسامتها اختفت ووشها اصفرّ:
* خير يا أبو عبير؟ جايب الرجالة وجاي على بيتي ليه؟
بابا وقف على عتبة الباب وما دخلش، وقال بنبرة تحبس الأنفاس:
* انادي على ابنك ينزل هنا فوراً.. الميكرويف اللي بنتك خادته إمبارح يرجع دلوقتي، والتكييف اللي فوق ينفك، وحاجة بنتي كلها تتلم، بنتي مش قاعدة في مكان ما فيهوش رجال يصونوا أمانتها!
في اللحظة دي، نزل محمود من على السلم بيجري وهو بيعدل هدومه، وشها مكتوم من الخجل والتوتر لما شاف عمامي واقفين:
* في إيه يا عمي؟ جايب الناس وجاي تجمهر قدام شقتنا؟
عمي الكبير قرب منه واداله نظرة أرعبته:
* تجمهر إيه يا جدع أنت؟ أنت فاكرنا جايين نترجاك؟ بنتنا حقها يرجع بالسحتوت، والميكرويف اللي أختك شايلاه على كتافها إمبارح يرجع هنا فوراً، وإلا قسم الشرطة بيننا وبينكم بتهمة السرقة بالدليل والشهود بتوع الشارع!
حماتي صرخت بصوتها كله تحاول تعمل هيستريا:
* سرقة إيه يا باغي أنت وهو؟! بقى بتتهمونا بالسرقة في بيتنا؟ الميكرويف ده راحت بيه سمر بيتها وخلاص مش راجع! واللي عندكم اعملوه!
بابا بص لمحمود بثبات وقال:
* قدامك عشر دقائق يا محمود.. إما أختك تجيب الميكرويف بالترخيص بتاعه والفاتورة اللي مع عبير باسمها، وتفك التكييف وتسلمهولنا، إما المحضر هيتعمل فيك وفي أمك وأختك وحماها اللي كان يسوق العربية.. اختر لنفسك!
محمود بص لأمه وهو بيعرق، وبدأ يحس إن الموضوع خرج عن سيطرته وإن أمه ورّطته في مصيبة قانونية وأخلاقية قدام الشارع والمنطقة كلها. بص لأمه وقال بصوت مرعوب:
* اتصلي بـ سمر يا أمي.. قولي لإبراهيم يجيب الميكرويف ويرجع حالاً!
حماتي برقت له بذهول وصرخت:
* أنت بتهددني يا محمود؟ بتسمع كلامهم على أمك وأختك؟
محمود زعق بقلة حيلة وغضب لأول مرة في وشها:
* الميكرويف باسمها والفاتورة معاها يا أمي! هتودونا في داهية عشان حتة ميكرويف؟! اتصلي بيهم خليهم يجيبوه!
عدت نص ساعة ثقيلة زي الجبل، الكل واقف على السلم مش بتتكلم كلمة. لحد ما جه إبراهيم جوز سمر ووشه في الأرض، شايل كرتونة الميكرويف وحطها على الأرض قدام بابا وهو مكسوف مش قادر يرفع عينه.
أبويا بص لمحمود وقال:
* ده أول جزء من الحق رجع.. اطلع افتح الشقة عشان نفك التكييف وناخد كل حاجة عبير اشتريتها بفلوسها أو جابتهالها من جهادي.ق
محمود بص لي بعيون مليانة التماس ورجاء أخيرة، وقرب مني بصوت واطي جداً عشان محدش يسمعه:
* عبير.. عشان خاطري ما تخربيش البيتك، أنا آسف.. مش هخلي أمي تتدخل في حاجة تاني، هاتي يدك ونطلع فوق ونحلها بيننا.
بصيت في عينه بكل برود وقسوة، وقولت له بصوت سمعوا الكل:
* البيت اللي يتفتح بمفتاح من ورا صاحبه عشان يتاخد شقاه ما بقاش بيت يا محمود.. افتح الباب خلينا ناخد حاجتنا.




