Uncategorized

قبل الولاده حكايات زهره الربيع 4

مرت شهور الاختبار الأولى بثقل هادئ، عادل رجع لشغله في الغردقة، بس المرة دي بشخصية ثانية خالص؛ راجل اتفركت كبرياؤه المزيفة على صخرة الواقع، واكتشف إن السند الحقيقي مكانش القرشين اللي بيحسبهم، ولا المكر اللي كان بيخطط بيه، بل كان في بيت الراجل الكبير اللي أنقذه من الضياع .

كان ينزل كل أسبوعين المنصورة، ييجي بيت أبويا، يدخل وراسه في الأرض، يسلم على أبويا ويقبل إيده قبل ما ينطق كلمة. يطلب يشوف ابنه، يقعد معاه بالساعات يربيه ويلعبه، ويحط مصروف البيت في إيد أمي أو أبويا وهو مكسوف ويقول: “ده حق الولد وأمه، وأنا تحت جزمة الحاج أحمد في أي طلب”. كنت بشوف في عينيه ندم حقيقي، وتغير جذري، بس جرح الغدر القديم كان لسه معلم في قلبي، وكل ما أفتكر الفيديو والتخطيط اللي كان بيخططه مع أهله، كنت أهرب للأوضة وأقفل على نفسي.

لكن الأيام كانت متكفلة إنها تضعنا في اختبار جديد.. اختبار يثبت إذا كان عادل اتغير بجد، ولا دي مجرد فترة تمثيل ثانية لحد ما العاصفة تعدي.

في يوم من أيام الشتاء القارص، وكان عادل مسافر شغله، أبويا تعرض لوعكة صحية شديدة فجأة في نص الليل. أزمة قلبية حادة خلت وشه يزرق ونفسه يقطع تماماً. البيت اتقلب في ثواني، أمي بتصرخ، وأنا مش عارفة أتصرف وأخويا كان في مأمورية شغل خارج المحافظة. اتصلت بالإسعاف قالوا قدامهم ساعة على ما يوصلوا بسبب الأمطار والسيول اللي كانت قافلة الشوارع.

في لحظة اليأس دي، ما لقيتش قدامي غير رقم عادل.. اتصلت بيه وأنا بنهار: “عادل! بابا بيموت! الإسعاف مش عارفة توصل والأزمة شديدة عليه!”

عادل ما ترددش ولا ثانية، قال بصوت مرعوب: “أنا جايلكم فوراً، أوعي تتحركي من جنبه!”

المفاجأة إن عادل مكانش في الغردقة، كان لسه واصل المنصورة في زيارة مفاجئة عشان يجيب لعب ومستلزمات للولد. في خلال سبع دقائق بالتمام، كان عادل كاسر باب الشارع، دخل الأوضة شاف أبويا في الحالة دي، ما استناش الإسعاف ولا فكر في المطر.. شال أبويا على ظهره ونزل بيه السلم جري في الضلمة عشان الأسانسير كان مقطوع عنه الكهربا، حطه في عربية وصاق أقصى سرعة، يخترق المية والبرك والزحمة وهو بيدعي ويبكي بحرقة: “يا رب خدهم من عمري وزود في عمره! يا رب ما تحرمنيش من الراجل اللي سترني ونظفني!”

وصلنا العناية المركزة في أكبر مستشفى، الدكاترة استلموا أبويا فوراً، وعادل وقف بره الأوضة بحافيه وسلاسل المية نازلة من هدومه، مش راضي يقعد ولا يغير هدومه. كان واقف يقرأ قرآن ويبكي كأنه ابنه الصغير، يلف في الممر ويروح للدكاترة يترجاهم: “اعملوا كل حاجة، أنا مستعد أبيع كليتي، أبيع لحمي، بس الحاج أحمد يخرج على رجليه!”

فضل واقف على رجليه 18 ساعة متواصلة من غير أكل ولا نوم، هو اللي ينزل يجيب العلاج في نص الليل برجله، وهو اللي يتعامل مع الحسابات والأطباء، ولما الدكتور خرج وقال إن المرحلة الحرجة عدت وإن أبويا نجا بفضل ربنا ثم السرعة الإلهية اللي اتنقل بيها، عادل سجد على أرض المستشفى في الممر وسجدة شكر طويلة والدموع مغرقة وشه.

لما أبويا فتح عينيه في العناية، أول حد طلبه بالاسم مكانش أنا ولا أمي.. طلب عادل.

دخلي عادل الأوضة بوجل، وبص لأبويا بدموع وقال: “حمد الله على سلامتك يا أبايا.. الدنيا مالهاش طعم من غيرك.”

أبويا بص له بنظرة دافية عمرها ما كانت في عينيه ناحية عادل قبل كده، ومسك إيده المبلولة وضغط عليها بالراحة وقال بصوت ضعيف بس مسموع:

“أنت أثبت النهارده يا عادل إنك بقيت راجل.. راجل ينشال على الراس. أنا سامحتك من كل قلبي، والبيت بيتك من النهاردة.”

عادل نزل على إيد أبويا يبوسها وهو بيبكي بكاء هيستيري، وشافني واقفة على باب الأوضة ودموعي نازلة.. بس المرة دي الدموع مكانتوش وجع ولا خوف، المرة دي كانت دموع ارتياح، لأني شفت بعيني الشوك اللي كان غارسه عادل بايديهتحول لورد بفضل التوبة والندم الصادق.

بعد تعافي أبويا ورجوعه البيت، اتجمعت العيلتين تاني، بس المرة دي القعدة مكانتش فيها شروط ولا أوراق ولا محاكم. أبويا مسك إيد عادل وحطها في إيدي وقالنا: “ابنوا بيتكم من جديد على الصدق والأصول.. والورق اللي كان بينكم أيا كان، ملوش لازمة، لأن الضمير هو العقد الوحيد اللي بيعيش.”

ورجعت لشقتي مع عادل وابني، ونفوسنا صافية، وبيتنا مبني على احترام حقيقي مش خوف ولا حسابات. وعادل بقا يشوف أبويا مش بس حماه، بل أبه وسنده وأكبر معلم علموا يعني إيه رجولة وأصول.

لكن الحياة ما بتمشيش على وتيرة واحدة، ولما كنا فاكرين إن كل المشاكل أختفت وإن مستقبلا بقى صافي تماماً، ظهرت العقبة الأكبر في شغلي أنا الشخصي.. عقبة مكانتش على البال ولا على الخاطر، وجت من الماضي القديم بتهديد جديد كان هيهز استقرار بيتنا اللي دوبنا بنبنيه من جديد!

مرت الأيام والشهور بعد رجوعنا، وحياتنا هديت واستقرت بشكل غير متوقع. عادل بقى إنسان تاني تماماً، اتغير تغير جذري في طريقته ومعاملته وتفكيره. بقى يشوف أبويا مش مجرد “حماه” كان بينه وبينه قضايا ومحاكم، بل بقا يعتبره أبه الروحي وسنده وسره في الدنيا. بيتي بقى مليان دفء، وابننا بدأ يكبر وسط أب بيراعيه ويتقي ربنا في كل مليم يدخل بيته، وأم حاسة بالأمان والكرامة اللي اتربت عليها في بيت أبوها.

كنت قررت إني ما أقفش عند حدود البيت وبس، وبدأت أبحث عن فرصة عمل شهادتي الأكاديمية تساعدني فيها عشان أبني مستقبلي وأكون سند لبيتي وولدي. وبالفعل، بعد تقديم واختبارات، اتسكنت في وظيفة ممتازة بشركة استثمارية كبيرة في المنصورة. كان عادل أول المشجعين لي، وكان بيسندني بكل طاقته، ييجي من سفره يقف معايا، يشيل عني مصاريف الولد وشغله، ويفضل يكرر: “حقك تحققي ذاتك يا سمر، وأنا ظهرك وعونك.”

لكن زي ما القسوة الأولى كانت بتبدأ بحسابات الفلوس والبخل، اكتشفت إن الضغوط لما بتيجي من بره البيت، ممكن تهز أعتا جدران الثقة لو ما كانش الأساس صلب ومبني على صخر.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى