Uncategorized

قبل الولاده حكايات زهره الربيع 4

في الشركة اللي اشتغلت فيها، كان مدير القطاع المالي راجل مزواج، صاحب نفوذ وشخصية استغلالية معروف في وسطه بالسيطرة. من أول أسبوع لي في العمل، بدأ يمارس عليا ضغوط غير مباشرة، نظرات مش مريحة، والتكليفات الصعبة في أوقات متأخرة، ولما لقاني قاطعة ومش بحدود صارمة، بدأ يضيق عليا الخناق في تقارير الأداء ومستحقاتي المالية، وكان دايماً يلمح: “اللي تمشي في طوع الإدارة ترتاح وتترقى، واللي تعمل فيها الشريفة القاسية، تتعصر لحد ما تسيب شغلها حافية!”

كنت بلم حاجتي برزانة وأرجع البيت أداري على أبويا وعادل عشان ما أعملش مشاكل، خصوصاً إن عادل كان لسه بيلم شتات نفسه وبيسدد الديون اللي كانت عليه من أزمته القديمة. بس الموضوع تطور لما المدير ده اكتشف بالصدفة السجل القديم والمشكلات القضائية اللي كانت بيني وبين عادل (محاضر التمكين وقضايا الإهمال القديمة اللي كانت مسجلة في المحاكم)!

في يوم من الأيام، استدعاني مكتبه وقفل الباب، وحط قدامي ملف أصفر على الترابيزة.

بصيت للملف ولقيت صور المحاضر القديمة وقضية النفقات اللي كنا رفعناها زمان على عادل!

ابتسم المدير بصفاقة وقال لي بصوت مسموم:

“إيه ده يا مدام سمر؟ ده أنتِ طلعتِ سابقة في قضايا التمكين والنفقة مع جوزك! يعني لو التقرير ده وصل لإدارة الموارد البشرية بالشركة، هيتم إنهاء خدمتك فوراً بتهمة عدم النزاهة الاجتماعية وتشويه سمعة الشركة.. أظن أنتِ مش عايزة ده يحصل وعايزة تجمعي القرشين عشان تدعمي جوزك اللي طلعاته ونزلاته بقت معروفة للكل؟”

حسيت بالدم بيهرب من وشي، والاهانة بتقتلني من جوه. وقف بأقصى قوة عندي وقلت له بثبات:

“الأوراق دي مشكلة شخصية وانتهت من زمان، والشركة مالهاش دعوة بحياتي الخاصة. وتفضل التقرير بتاعك اعمله، أنا مش  يا أستاذ!”

خرجت من المكتب وأنا برتجف، الدموع كاتمة في حلمي، مش خايفة من الشغل، بس خايفة من إن الماضي القاسي اللي قفلناه بالدموع والأصول يرجع يطاردنا تاني ويفتح أبواب الشك والوجع بيني وبين جوزي!

رجعت البيت، وعادل كان نازل في إجازته الصادفة. أول ما شاف وشي متجهم وعيني حمرا من العياط، جرى عليا ومسك إيدي بلهفة:

“مالك يا سمر؟ في إيه؟ الولد جرى له حاجة؟ حد ضايقك في الشغل؟”

حاولت أداري وأقوله “مفيش.. إرهاق شغل بس”، لكن عادل اللي اتعلم يقرأ عيني يفهم نبرة صوتي، مسك كتفي وقال بحنية وصرامة:

“سمر.. إحنا اتعاهدنا إن مفيش سر بيننا تاني، وإننا هنواجه الدنيا سوا. احكي لي في إيه، ومين اللي تجرأ يزعل مراتي وأم ابني؟”

انفجرت في البكاء وحكيت له كل حاجة، من أول الضغوط اللي يمارسها المدير ده، لحد الملف الأصفر والمحاضر القديمة اللي يهددني بيها.

عادل لما سمع الكلام، ملامحه اتغيرت تماماً.. المرة دي ما شفناش عادل البخيل، ولا عادل الخايف اللي بيتدارى ورا أهله، ولا عادل اللي بيهرب من المواجهة. عينيه شعلت نار، وجسمه اتشد بصرامة وشجاعة، وقال بصوت هز الشقة:

“الندل ده فاكرك مالكيش ظهر؟! فاكر إن المشاكل القديمة مكسرة عينك وعيني؟! والله العظيم لأعرفه إن مراتي وراها راجل يقطع لسانه ويلبسه قضية تعسف وابتزاز تطيره من الكرسي اللي قاعد عليه!”

حاولت أهديه وقلت له: “يا عادل بلاش مشاكل وقضايا تاني، إحنا يادوب استقرينا وبدأنا نعيش!”

رد عليا وهو بيمسح دموعي بإيده: “زمان لما كنت جاهل وقليل أصل، كنت بسيبك تحاربي لوحدك وأحسب عليكي اللقمة. النهاردة أنا اللي هحارب عشانك، وأجيبلك حقك لحد عندك بالقانون والأصول، وبدون ما أبوكي يتدفع مليم أو يتدخل حتى!”

تاني يوم الصبح، عادل ما راحش الشغل بتاعه ولا سافر. لبس أنظف بدلة عنده، وأخد معاه المحامي الخاص بتاع أبويا اللي بقا صديقه الشخصي، وطلعوا على مقر الشركة الاستثمارية بالمنصورة.

دخل عادل على مكتب رئيس مجلس إدارة الشركة مباشرة، من غير ما يمر على المدير المالي الصغير. طلب مقابلة عاجلة مع رئيس الإدارة، ولما دخل، حط قدامه التقرير اللي كان المدير يهددني بيه، ومعاه تسجيل صوتي كامل للمدير وهو بيبتزني في مكتبي (لأني كنت سجلت الموقف بتليفوني من غير ما يحس)!

عادل وقف قدام رئيس مجلس الإدارة بكل هيبة وقوة، وقال له بصوت جهوري:

“أنا جاي هنا مش بصفتي زوج موظفة بتشتغل عندكم.. أنا جاي بصفتي مواطن بيحمى شرفه وكرامة مراته. المدير المالي بتاعكم بيستغل منصبه لابتزاز الموظفات الشريفات، وبيهدد مراتي بأوراق شخصية عائلية اتسوت من زمان بشهادة المحاكم والأصول. لو الحق ده ما جاش جوه الشركة دي فوراً بقرار إداري قاطع.. البلاغ ده بالتسجيلات دي هيكون على مكتب الناظر العام والنيابة العامة خلال نص ساعة من دلوقتي، والفضائح الإعلامية هتشوه اسم شركتكم قبل ما تطول المدير بتاعكم!”

رئيس مجلس الإدارة لما شاف قوة عادل والتسجيلات الموثقة والورق الرسمي، اتصدم من تصرفات المدير المالي. جاب المدير فوراً للمكتب، ولما المدير دخل ولقى عادل واقف بالصلابة دي والمحامي جنبه، وشه جاب مية لون ورجليه خبطت في بعضها من الرعب!

حاول المدير ينكر ويقول: “ده كلام افتراء وأنا بس كنت براجع ملفها الإداري..”

رد عليه عادل بقسوة وصرامة وهجم عليه بالكلمات:

“اسكت يا قليل الأدب! الملف الإداري ماله ومال الشرف والأوراق الشخصية؟! أنت استغليت إنها ست مؤدبة وراعية بيتها وفاكرها مقطوعة من شجرة! بس هي وراها راجل يأكلك بسنانة لو فكرت تقرب من كرامتها!”

في نفس اليوم، صدر قرار إداري عاجل من الشركة بإيقاف المدير المالي عن العمل وتحويله للتحقيق العاجل بتهمة استغلال النفوذ والابتزاز الوظيفي، وتم رد اعتبارك رسمي أمام كل زملائي في الشركة مع تقديم اعتذار كتابي لي من إدارة الشركة!

رجعت الشغل تاني يوم وأنا مرفوعة الراس، كل الموظفين بيستقبلوني باحترام وإجلال. وعادل كان مستنيني بره باب الشركة بعد انتهاء دوامي، ماسك بوكيه ورد ومعاه ابننا الصغير.

أول ما شفته، جريت عليه وأنا مش مصدقة حجم التغير والرجولة اللي ظهرت فيه. بصلي بابتسامة دافية مليانة أمل، وقال لي:

“حقك عليّ عن كل يوم حسيتي فيه إنك لوحدك في الدنيا يا سمر. أباكي عمل مني راجل، وأنا عاهدت ربنا إني أكون السند الحقيقي ليكي ولابننا طول ما فيا نفس يتردد.”

لكن رغم كل اللي مر بينا، واستقرارنا اللي بقا زي الحديد، كان فيه مفاجأة أخيرة مش متوقعة مستنيانا في نهاية المطاف.. مفاجأة خلت القصة دي تاخد منحنى تاني خالص، وتثبت إن أقدار ربنا دايماً أكبر وأجمل من كل الحسابات اللي بنحسبها بالورقة والقلم!

تابعو صفحه رومانى مكرم

المفاجأة الأخيرة اللي ما كانتش على البال، جت في اليوم اللي قررنا فيه نعمل حفل صغير في بيت أبويا بمناسبة مرور سنتين كاملين على الأزمة القديمة، وتكريم لأبويا اللي كان السبب بعد ربنا في إعادة بناء العيلة دي على أساس صلّب.

في وسط القعدة، وأنا قاعدة جنب عادل وهو ماسك إيد ابننا الصغير، وأبويا وأمي قاعدين قصادنا بيبتسموا برضا، دخل أخويا الكبير ومعه ظرف أبيض تقيل مسحوب من البنك. حط الظرف على الترابيزة قدام أبويا، وبص لعادل بابتسامة افتخار وقدم له ورقة رسمية.

الورقة دي كانت إشعار بسداد كامل ونهائي لكل المبالغ والديون والالتزامات المالية اللي كانت على عادل من أيام أزمته القديمة، ومعاها عقد ملكية لقطعة أرض استثمارية صغيرة في ضواحي المنصورة، كتبها عادل بالكامل باسمي وباسم ابنه، وشاريها من شقاه وتتعبه طول السنتين اللي فاتوا من غير ما يقول لحد ولا ينطق بحرف!

عادل وقف قدام أبويا، ونزل بصلابة واعتزاز وقبل رأس أبويا وإيده، وقال بصوت هز الصالة كلها:

“يا عمي.. اليوم ده هو اليوم اللي أقدر أقول فيه إني بقيت الراجل اللي تئمنه على بنتك وحفيدك وأنت مطمئن. الأرض دي والفلوس دي مش عشان أثبت إني معايا، الأرض دي عشان أقولك إن الدرس اللي علمتهولي بالورقة والقلم، أنا حفظته بدمي وعقلي. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصول والرجولة وكرامة أهل بيتي هي الثروة الحقيقية اللي هعيش وأموت أحميها.”

دموع أبويا نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وفخر. قام وقف، وأخد عادل في حضنه لأول مرة من يوم ما دخل بيتنا، وقال له بنبرة دافية هزت قلوبنا كلنا:

“النهاردة يا عادل.. أنت مش بس جوز بنتي، أنت ابني البكر اللي أفتخر بيه قدام الدنيا كلها. الراجل مش اللي ما بيغلطش، الراجل هو اللي لما بيغلط بيعرف يقف على رجليه، ويتعلم من غلطه، ويصون النعمة اللي في إيده.”

رجعت بيتي مع عادل وأنا حاسة إن روح جديدة اتولدت فينا. البيت اللي كان في يوم من الأيام متهدد بالخراب بسبب بخل وقسوة وحسابات ضيقة، بقا أعمق وأقوى بيت بالحب والكرامة والاحترام المتبادل.

الحكمة من القصة:

* الرجال بأفعالها وليس بوعودها: الأزمة الأولى كشفت إن الفلوس والحرص الزائد ممكن يعموا عين البني آدم ويخلوه يقسى على أقرب الناس ليه، بس المواقف الشديدة هي اللي بتكشف معدن الراجل الحقيقي لما يقرر يتغير بصدق.

* الأب هو السند والدرع: الأب القوي الحكيم (زي الحاج أحمد) هو اللي بيعرف يحمي بنته ويدافع عن كرامتها بالورق والقلم والقانون من غير ما يفرط في الأصول، وهو اللي بيعرف في نفس الوقت يسامح ويدي فرصة ثانية لما يشوف ندم وحق متصلح.

* الكرامة خط أحمر: الحياة الزوجية ما بتتبنيش على “شحاتة اللقمة” ولا حساب المليم بالمليم في المصاريف الأساسية؛ الزواج سكن ورحمة وكرامة، والست لما تحس إن وراها ظهر وسند، بتبني مع جوزها الجبال.

* الدرس القاسي يصنع الرجال: أحياناً ربنا بيبتلي الإنسان بكسرة عين أو أزمة كبيرة (زي أزمة المستشفى والقضايا) عشان يصحيه من غفلته، ويرجع يبني نفسه على نضيف، لأن الأصول لو راحت.. ما فيش فلوس في الدنيا تقدر تعوضها!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى