
تجمّدتُ على العتبة الخارجية للبيت، والملف الأسود الضخم الملطخ بقطرات الدم الخفيفة مضغوط بقوة بين ذراعيّ المرتجفتين. أنفاسي المتلاحقة كانت تصدر صوتاً مسموعاً في العتمة الباردة لبيت السلم، وجسدي ينتفض بالكامل من أثر الصراع الرهيب الذي خضته قبل لحظات داخل غرفة المكتب. كان الرجلان الواقفان أمامي يرتديان معاطف سوداء داكنة، ملامحهما صارمة وجادة، لا تشبهان الجيران ولا السكان المحليين في هذا الحي الهادئ.
أمسك الرجل الذي تحدث أولاً ببطاقته المعدنية البراقة، متقدماً خطوة حذرة على درجات السلم، وأضاء كشافاً صغيراً في يده ليوجهه بنعومة نحو وجهي ونحو الملف الملتصق بصدري. قال بنبرة خفيضة ولكنها قاطعة تحمل ثقل السلطة والسيطرة:
“اهدي يا مدام سمر.. متخافيش. إحنا من جهاز إنفاذ القانون والجرائم الدولية العابرة للحدود. إحنا بنتابع الشبكة دي والتنظيم المالي ده بقالنا أكتر من سنتين، وعارفين كل حاجة جرت جوه البيت ده.”
قبل أن يرتد إليّ عقلي أو أستوعب كنه كلماته، انطلق من خلفي داخل الشقة صوت صراخ مكتوم وجلبة شديدة. كان زوجي، برغم الجرح الغائر في خنصره وجانبه والألم القاتل، يزحف ببطء نحو الصالة، يمسك بيده الأخرى القارورة الثانية المشبعة بمستخلص نبات الدفلى القاتل، والدم يقطر منه ليترك خطاً أحمر قانياً على بلاط الصالة النظيف. كان يصيح بنبرة جنونية مخنوقة تتنازعها دماء فمه ولعنته الأبدية:
“سمر! مش هتاخدي الأوراق! الاتفاق لازم يكمل.. السليل الثامن لازم يتسجل! الفلوس دي حقي.. دم عيالي وحياتي!”
في أسرع من الرفشة، تحرك الرجل الثاني المرتدي للمعطف الأسود، ودفع باب الشقة بقدمه، شاهراً سلاحاً نارياً مزوداً بكاتم صوت، وصرخ بصوت حاد هز الشقة بأكملها:
“اثبت مكانك يا حسن! الأرض مليانة شرطة، والبيت كله محاصر من ساعتين! شيل إيدك عن اللي في جيبك!”
انقبض وجه زوجي في ذهول مطلق، وسقطت القارورة الأخيرة من يده المرتجفة لتتهشم فوق خط الدم المنسكب، وتفوح رائحة الزيت القاتل بكثافة خانقة ملأت الصالة. خرّ على ركبتيه مستسلماً، يلهث بثقل وعيناه تنظران إليّ بنظرة مزيج من الغل والاندحار، كأنه يرى في تلك اللحظة بالذات كل أطفاله السبعة يلتفون حوله ليعيدوا له الدين القديم.
أقرب الضابط الأول مني، ممسكاً بعضدي برفق ليخرجني من دائرة الرائحة المسمومة المنتشرة في الهواء، وقال وهو يشير لزميله ولفريق الدعم الذي بدأ يتوافد بسرعة على درجات السلم:
“اتنفسي هواء نقي يا مدام.. الكابوس ده انتهى. إحنا كان لازم نستنى اللحظة اللي يظهر فيها الملف الأصلي وعقود التركة الدولية الموثقة. الورق اللي في إيدك ده هو القشة اللي هتهد التنظيم ده بالكامل في ثلاث دول.”
وقفت على البسطة الخارجية للدرج، أتنفس هواء الليل البارد وأشعر بالأرض تدور بي. لم أكن أصدق أنني ما زلت حية، ولا أن تلك السنوات السبع الكئيبة المحاطة بالتابوت والدموع كانت في الحقيقة جداراً سميكاً من الجريمة المنظمة والعياذ بالله. لكن، بينما كان رجال الشرطة يكبّلون يدي زوجي بالحديد ويستدعون سيارة إسعاف لنقله تحت الحراسة المشددة، تقدم الضابط الكبير ونظر إليّ بعينين ملؤهما الأسى وقال:




