
“مدام سمر.. لازم تجمعي قوتك للخطوة الجاية. المقبرة اللي اندفن فيها طفلك السابع النهاردة، والقبور الستة اللي جنبها… النيابة العامة أصدرت قرار عاجل باستخراج الجثامين فوراً واستدعاء الطب الشرعي لإعادة تشريح السبعة كاملين وإثبات نسب المادة السمية.”
سقطت الأوراق من يدي فوق درجات السلم، وجثوت على ركبتي وأنا أصرخ بنحيب شق هدوء الليل. لم تكن الصدمة في السجن ولا في الضباط ولا في الدماء المنسكبة، بل كانت في الفكرة التي مزقت روحي إرباً: حتى أجسادهم الصغيرة الطاهرة، لم يسلم طينها من نبش الحقيقة المؤلمة! حتى أطفالي السبعة، سيكون عليهم أن يخرجوا من ظلمة القبور لشهادة الحق الأخيرة قبل أن يرتاحوا للأبد.
انحنى الضابط والتقط الملف الأسود عن الأرض، وضعه في حقيبة أدلة بلاستيكية شفافة، ثم نظر إليّ وقال بصوت جاد يكتنفه الغموض:
“وفيه حاجة ثانية أخيره يا مدام سمر.. لازم تعرفيها قبل ما نروح النيابة. التقرير المبدئي للتحريات السرية اللي عندنا بيأكد إن حسن ما كانش شغال لوحده في البيت ده.. كان فيه شخص ثاني من عيلتك أنتِ، شخص قريب منك جداً، هو اللي كان بيمدّه بالشحنات السمية دي من أول طفل!”
ارتجفت أوصالي واهتزت كل خلية في جسدي مع استقراري على ركبتي فوق درجات السلم الباردة. كانت عبارة الضابط الأخير كصاعقة شديدة أحرقت ما تبقى من لبي وعقلي: شخص من عائلتي أنا؟ قريب مني جداً؟
تدفقت في ذهني في تلك اللحظة خاطرة مرعبة كالسيول المجنونة. عبرت أمامي صور كل من حولتُ وجهي إليهم في سنوات قهري السبع: أمي التي كانت تبكي معي وتبخر الشقة برائحة العود، أختي الكبرى التي كانت تحضر لي العصائر والوجبات الدافئة عقب كل جنازة لتقويني، وعمي الذي كان يتولى إجراءات الدفن والتغسيل بنفسه في كل مرة ليريحنا من مشقة الإجراءات الرسمية!
امتدت يد الضابط برفق لتساعدني على الوقوف، بينما كان صوت أجهزة اللاسلكي يتعالى على السلم بطلبات إرسال وتعليمات مشددة بتطويق منطقة المقابر ومنع أي شخص من الاقتراب منها. انسحبت من بين أيديهم بخطوات غير موزونة، يسندني الحائط القديم للبيت، والدموع تحرق وجهي بغزارة لم أعهدها من قبل.
أدخلوني سيارة سوداء زجاجها داكن كانت تنتظر أسفل العمارة، وفي الشارع كان الزقاق هادئاً، خائناً، كعادته، لا يدري أهله أن كابوساً من أبشع كوابيس البشرية كان يُحاك في الطابق الثالث لسبع سنوات متواصلة. جلس الضابط إلى جواري في المقعد الخلفي، وأخرج ملفاً أصفر اللون من حقيبته، يقلب أوراقه تحت ضوء سقف السيارة الخافت.
نظر إليّ بأسى صادق وقال بصوت هادئ يحاول التخفيف من حدة الفاجعة:
“أنا عارف إن حمولتك زادت عن طاقة البشر يا مدام سمر.. بس العدالة المرة دي لازم تكتمل. الشخص اللي كان بيوفر المادة السمية دي لحسن مش مجرد وسيط، ده مهندس زراعي وخبير مستخلصات نباتية، وهو الوحيد اللي كان بيقدر يركّز مستخلص نبات الدفلى بطريقة زيتيّة ناعمة تسرع امتصاصه عن طريق الجلد والشفاه من غير ما تترك أثر ملموس أو يتغير طعم الأكل والشرب بشكل يثير الشبهة.”
تسمرت عيناي على الصفحة التي يقلبها. لم أجرؤ على السؤال، لكن لساني خانني وتنفس بصوت مخنوق:
“مين؟.. قول لي مين من عيلتي كان بيشارك في ذبح ولادي؟”
أدار الضابط الصفحة الأخيرة، وظهرت أمام عيني صورة شمسية ملونة لعمي! عمي “توفيق”، الأخ الوحيد لأبي المتوفى، الرجل الذي كان يستقبلني في كل مرة بالدموع، يربد على كتفي، ويحمل أطفالي الرضع إلى المقابر بيده، ويدعو الله أمام الجميع أن يعوضنا خيراً!
سقطت رأسي بين كفيّ وانطلقت مني صرخة مجهدة، صرخة ممزقة حطمت صمت السيارة. كان عمي يعمل بالفعل مستشاراً في إحدى الشركات الزراعية الكبرى، وكان يتنقل بين مصر ودول عربية وأوروبية بحكم عمله!
استطرد الضابط بصوت جاد يوضح خيوط المؤامرة الدنيئة:
“عمك توفيق ما كانش بعيد عن عقد التركة القديم. التحريات أثبتت إنه كان شريكاً أصلياً لوالد حسن من أكثر من ثلاثين سنة! هما الاتنين اللي أسسوا السجلات المزورة في الدولة المجاورة، ولما والد حسن مات، وتوفيق كبر في السن وعجز عن التردد على المحاكم هناك، نقل التكليف لحسن عشان يكمل السلسلة. عمك كان بياخد نصف العوائد المالية المهرّبة عن طريق شركات وهمية لتصدير الفواكه والمستخلصات الزيتية. كان هو اللي بيحضر المادة السمية بعناية في معمله الخاص، ويسلمها لحسن قبل كل عيد ميلاد للطفل بأسابيع قليلة!”
كان عقلي يستوعب الكلمات بصعوبة بالغة. السنوية الأولى لكل طفل… ذلك اليوم الملعون الذي كنت أظنه موعداً محتوماً مع القضاء والقدر، كان في الحقيقة موعداً استثمارياً مقدساً بين زوجي وعمي! كانا يجتمعان قبلها بأيام، يراجعان السجلات الرسمية، يستلمان شحنة الموت الصغيرة، ويصوغان السيناريو القادم بدقة متناهية!
وصلت السيارة إلى مبنى النيابة العامة في وقت متأخر من الليل. كانت الأضواء كاشفة والسيارات التابعة للشرطة والطب الشرعي تتزاحم في الفناء الخارجي. دخلت إلى مكتب رئيس النيابة وأنا أترنح، أجر قدمي جراً كأنني أحمل جبال العالم فوق كتفي.




