Uncategorized

حكايات زهره الربيع 2

تجمد الدم في عروقي وأنا أستمع لنبرة صوته الميتة. نبرة أبعد ما تكون عن الرجل الذي كان يذوب بكاءً بالأمس فوق قبر طفلنا السابع. كانت نبرته خالية تماماً من الإنسانية، سردية باردة لقاتل محترف يتعامل مع جريمته كأمر واقع فرضته الظروف.

قبضت على الأوراق والوثائق القاتلة بيدي اللتين كانتا ترتعدان بغضب عارم، وضغطت على ظهري الملتصق بالخزانة الخشبية خلفي، بينما كان مقبض باب المكتب يتحرك ببطء شديد. لم يحاول دفع الباب بقوة، بل أدار المفتاح في القفل بكل هدوء، ثم فتح الباب متراً واحداً ووقف عند العتبة.

كان يرتدي قميصه الأسود ذاته، وعيونه خاليتان تماماً من الدموع التي ذرفها عند المدافن. نظر إلى الصندوق المكسور على الأرض، ثم رفع عينيه وواجهني بجمود مرعب. لم ينزعج، ولم يحاول الإنكار أو تبرير الأوراق الملقاة بين يدي.

خطا خطوة واحدة إلى الداخل وهو يغلق الباب خلفه بهدوء، ثم سند ظهره على الحائط وقال بنبرة هادئة كأنه يشرح جدول أعمال يومي:

“كنتِ فاكرة إني بعمل كده بسهولة؟ كنتِ فاكرة إن قلبي ما كانش بيتقطع؟ بس الأوراق دي كانت الخيار الوحيد عشان نفضل عايشين.. عشان البيت ده يفضل مفتوح وعشان التركة دي ما تروحش لغيرنا. والدتي وأبويا سابوا ورث مغلق بمليارات في البنوك الخارجية، وبنود الاتفاق القديم مع المحامين والشركاء كانت واضحة من البداية: التركة مش بتتحول ولا بيتم تسييل أصولها إلا بوجود سليل ذكر حي يثبت وجوده في السجلات بعد سن السنة. هما ما سابوش فرصة للتراجع. لو كنت رفضت أكمل، كانوا كشفوا زوير والدي القديم، وكنت هتدس في السجن بقية عمري وأفلس، والناس اللي ورا الاتفاق ده ما بيسبوش حد عايش.”

تراجعت خطوة إلى الخلف، وعصارة الغضب القاتل تتصاعد في حلقي، وحبال صوتي تنعقد من شدة الذهول. خرجت كلماتي مبشوقة، مخنوقة، محملة بوجع سبع سنوات من القهر:

“علشان الفلوس؟ علشان أوراق وحسابات في البنوك تقتل سبعة؟ سبعة من دمك وحمك؟ أطفالك اللي كبروا في حضنك، اللي كانوا بيضحكوا في وشك وينطقوا اسمك؟ كنت بتحط السم في أكلهم وبتمسح بيه على أجسادهم وأنت باصص في عيونهم الصافية؟ أنت مش بني آدم.. أنت شيطان مفيش في قلبك رحمة!”

ابتسم ابتسامة باهتة، ملعونة، وقصيرة، ثم أخرج من جيبه قارورة زجاجية صغيرة ذات سائل بني داكن، القارورة ذاتها التي فاحت منها رائحة الزيت الزكي في المدافن، وقال وهو يتفحصها بين أصابعه:

“ما كانش في طريقة ثانية يا سمر. الطفل لما كان بيكمل سنة، كان لازم يتسجل رسمياً ويتاخد بصمات دم وتوثيق جينات عشان التركة تتصرف. لكن لو فضل عايش بعد كده، الهوية المتقاطعة اللي مسجل بيها كانت هتتكشف في الفحوصات الفيدرالية، والشركاء كانوا هيصفونا إحنا الاثنين. أنا كنت بحميكي وبحمي نفسي.. والفلوس اللي دخلت حساباتنا كانت بتأمن حياتنا.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى