
الصرخة بتاعة الولد في الحوش نزلت علينا زي الصاعقة. عمتها راجية وقفت في لحظة، وجسمها كله اتنفض بالغضب، صرخت في الصبية اللي في البيت: “اقفلوا البوابة الكبيرة بالترباس الحديد! ونادوا على رجالة العيلة وعلى عمكم عبد المجيد من المندرة فوراً!”
بنتي اتعرّت من الرعب، وجريت زي المجنونة حضنت محمد وجمعت ركبها في زاوية الأوضة الجوانية، وجسمها بيترعش زي الورقة في مهب الريح. قعدت جنبها ومسكت إيدها المربوطة وقولتلها بصوت ناشف بحاول أثبّت بيه قلبي وقلبها: “متخافيش يا بنتي.. والله العظيم لو على جثتي وجثة أي حد هنا، ما حد هيلمس ضناكي ولا ياخده منك تاني! الموت أهون علينا من إننا نسيبه!”
سمعنا بره كركبة وصوت عربيات بتفرمل بقوة قدام بوابات البيت، وأصوات شتائم وزعيق يهد الجبال. طليقها الندل واقف في وسط الشارع ومعه بلطجية ورجالة شايلين شوم وسلاسل، وبيصرخ بأعلى صوته: “اطّلعوا بالولد بالذوق يا صعيدة! الولد ده ابني والقانون معايا! لو ما طلعتوهوش هنولّع في البيت باللي فيه!”
أم طليقها كانت واقفة جنبه بتهلل وتصوت وتزغرد في الشارع وتزيد النار حطب: “أيوة اهدوا البيت على ركابهم! المجاذيب دول سرقوا الولد وجايين يستخبوا في الصعيد! اطلعوا بالولد يا حرامية!”
في اللحظة دي، اتفتحت شبابيك المندرة، وخرج عمها الحاج عبد المجيد، راجل كبير في السن، شعره أبيض زي القطن لكن وقفته تهز بلاد. خرج ومعه أربعة من رجالة العيلة وشبابها، كل واحد فيهم شايل نبوته في إيده وعيونهم بتاكل النار. وقف الحاج عبد المجيد على عتبة البيت، وبص للطليق والبلطجية بنظرة احتقار وقال بصوت رزين وتقيل زي الرصاص: “أنت مين يا جدع أنت عشان تجيب بلطجية وتقف على عتبة بيوتنا وتهدد بالحريق؟ أنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا فاكر الصعيد مفيهاش رجالة؟”
طليقها اترسمت على وشه بجاحة الأندال وقال: “أنا صاحب الحق! أنا أبوه وعايز ابني، وأم الولد مجنونة ومحاولة تنتحر ومش أمينة عليه، وأنا معايا قضية رفعتها وشايل التهديد معايا!”
الحاج عبد المجيد رد عليه بمنتهى الثبات والشموخ: “قضيتك تروح بيها المحكمة يا حيلتها! إنما تجيلي لحد باب بيتي بسلاح وبلطجية وتفكر تكسر حرمة حريمنا وضيفنا؟ قسمًا بالله لو عتبت خطوة واحدة ناحية البوابة دي ليكون آخر يوم في عمرك وعمر اللي معاك! البلد دي فيها قانون وفيها رجالة بتعرف تاخد الحق بأيدها!”
البلطجية اللي مع الطليق لمّا شافوا رجالة القرية بدأوا يتجمعوا من كل الحواري، وكل راجل طالع بنبوته وسلاحه، حسوا إن الموضوع قلب جد وأنهم داخلين في الموت محقق. واحد من البلطجية قرب من الطليق ووشوشه: “يا باشا أنت قولت لنا شقة ولية وهندخل نطلع بالولد في ثواني، إحنا مش داخلين حرب مع عرب الصعيد ونروح فيها بلاش!”
الشرار طار من عين طليقها، وكان هيتجنن من الفشل، فصرخ وقال للبلطجية: “ادخلوا هاتوا الولد وما تهمكوش حد!”
ولسه البلطجية بيحاولوا يقربوا من الباب، هجم عليهم شباب القرية ورجالة العيلة بالشوم! دارت معركة حامية في وسط الشارع، أصوات الضرب بالشوم والخبطات كانت مسموعة لحد الأوضة الجوانية. بنتي كانت بتصرخ ومغشية على ابنها، وأنا واقفة ورا الباب ماسكة سكين المطبخ في إيدي وبدعي ربنا ينصرنا ويسترها معانا.
المعركة ما استمرتش غير دقائق معدودة؛ رجالة البلد قطّعوا البلطجية وخلوهم يرموا سلاسلهم وشومهم في التراب ويجروا على العربيات زي الفيران. وطليقها اتمسك من رقبة قميصه من شباب العيلة وانضرب علقة موت في وسط الشارع، لحد ما وقع على ركبه والدم نازل من مناخيره ووشه اتورم.
الحاج عبد المجيد قرب منه، ومسكه من زقم قميصه وقومه من على الأرض وقال له ودمه بيغلي: “شوف يا ندل.. الولد ده وأمه في حمايتي وفي دمتي لآخر يوم في عمري. لو رجلك عتبت البلد دي تاني، مش هتخرج منها على رجلك! والقانون اللي بتتكلم عنه، إحنا هنعرف نربيك بيه وبأعلى ما في خيلك اركبه!”
رموه في العربية مع أمه اللي كانت بتصوت وتولول من الخوف، وجريوا بالعربيات واختفوا من المنطقة خالص.
خرجنا من الأوضة بعد ما الجو هدي، وبنتي وقعت على إيد عمها تبوسها وهي بتبكي بكاء هستيري من الخوف والفرحة. الحاج عبد المجيد حط إيده على رأسها وقال لها: “ارفعي رأسك يا بنتي.. أنتي في بيت أبوقي الثاني، ومفيش كلب يقدر يمسك ولا يمس ولدك طول ما الرجالة دي فيها نفس.”
رجعت الروح لبنتي شوية، بس المعركة مكنتش خلصت في الشارع بس.. المحامي اتصل بينا تاني يوم الصبح وأبلغنا بحاجة غيرت مجرى القضية كلياً؛ اكتشفنا إن التهديد اللي اتكتب بالدم والاعتداء اللي حصل بالبلطجية، المحامي استغل كاميرات المراقبة بتاعة محطة البنزين اللي عند مدخل القرية، وصور عربيات البلطجية وطليقها وهو نازل معاهم، وقدم بلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة “تكوين عصابة محاولة اختطاف طفل وترويع المواطنين والتهديد بالقتل”!
النيابة العامة أصدرت أكتوبة وضبط وإحضار عاجل ضد طليقها وضد أمه وضد زعيم العصابة البلطجية، وبقت القضية مش مجرد حضانة ونفقة.. بقت قضية جنائية كبرى تهددهم بالسجن المشدد!
ولما افتكرنا إن الدنيا خلاص بتتعدل والعدل ياخد مجراه، جاتلنا مكالمة غير متوقعة في نص الليل من المستشفى العام في القاهرة.. مكالمة خلت قلبنا يقف من جديد ويرجعنا لنفس نقطة الصفر!




